البرلمان حين تكون الديمقراطية عبئًا
الدكتور ليث شبر
لقد كتبتُ خلال السنوات الماضية الكثير من المقالات التي قدّمت فيها تشخيصًا واقعيًا لما يمرّ به العراق، واقترحت حلولًا عملية لبناء دولة قادرة على النهوض، لا تُدار بالمحاصصة، ولا تُستنزف بالفساد، ولا تُدار بمنطق الغنيمة. وكنت دائمًا أركز على المؤسسات، لا على الأفراد، لأن المشكلة الحقيقية في العراق اليوم ليست في الأشخاص فقط، بل في البُنى المنتجة للسلطة، وآليات إدارتها، وشكل العلاقة بين السلطات والمجتمع.
وإذا أردنا أن نفهم لماذا يتعثر العراق كلما حاول أن ينهض، فعلينا أن نبدأ بتسمية العوائق كما هي، دون مجاملة أو مداراة. وعلى رأس هذه العوائق تقف السلطة التشريعية، ممثلة بمجلس النواب، ومجالس المحافظات، وقد أصبحت في نظر أغلب العراقيين عبئًا لا أداة إصلاح، ومصدرًا للتعطيل لا التشريع.
البرلمان العراقي، دورةً بعد أخرى، يُثبت أنه العقبة الأكبر أمام الاستقرار السياسي. فبدل أن يكون صوت الشعب ورقيبًا على الحكومة، أصبح ساحة لتقاسم النفوذ بين الكتل، ومسرحًا للصفقات، ومؤسسة لا تُنتج إلا مزيدًا من الأزمات.
والأدهى من ذلك أن كثيرًا من النواب يمارسون دورًا أقرب إلى الابتزاز منه إلى الرقابة، حيث تُدار بعض الملفات وفق منطق المساومة، لا وفق معيار الكفاءة أو النزاهة.
ولا يُخفى على أحد أن الحكومة نفسها، بكل مؤسساتها، ليست كيانًا مستقلًا عن هذه المنظومة، بل هي في حقيقتها نتاجٌ لهذا الصراع المزمن بين القوى المحتكرة للقرار والسلطة. ولهذا فإن أي حديث عن استقلال السلطة التنفيذية أو حياديتها رغم أنها مستقرة نسبيا يبقى حبرًا على ورق ما دامت تُنتج من رحم المحاصصة النيابية، وترتبط مصيرًا بصفقات تشكيل الكتلة الأكبر، ومغانم الوزارات.
وفي الوقت الذي تعاني فيه السلطة التشريعية من هذا التآكل في مشروعيتها، هناك شخصيات برلمانية وطنية بالفعل، تحمل مشروعًا إصلاحيًا صادقًا، لكنها تظلّ عاجزة عن التأثير بسبب تشتتها، وغياب الغطاء السياسي الجامع لها، مما يجعلها خارج معادلة التغيير الحقيقي.
أما على الضفة الأخرى، فإن السلطة المجتمعية – ممثلة بالرأي العام، والإعلام، ووسائل التواصل – تُظهر وجهًا آخر للمعادلة. فهي لا تملك قرارًا، لكنها تملك الصورة، وتكشف ما تحاول المؤسسات تغطيته.
لكن هذه السلطة، التي كان يُفترض أن تمثل صوت الناس الحقيقي، تعرضت هي الأخرى للتشويه والتفكيك، بسبب السلوكيات الخطيرة للقيادات السياسية، وخطاباتها المضلِّلة، وأذرعها الإعلامية التي تحولت إلى منصات للدعاية والتسقيط والتهريج.
فأصبح الإعلام تابعًا للنفوذ، وأصبحت وسائل التواصل، التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للتعبير الحر، منبرًا لبث الكراهية والتحريض والشتائم والتضليل، حتى صار المجتمع نفسه في حالة من التشتت والانقسام والارتياب العام.
وهكذا، بدل أن تكون السلطة المجتمعية قوة ضاغطة للتغيير، تحوّلت إلى مرآة مكسورة تعكس الفوضى لا الوعي، والانفعال لا الرؤية. وهذه الفوضى المجتمعية ليست عفوية، بل هي نتيجة مباشرة لتلوث النخب وتدهور الخطاب العام وتغوّل أدوات السيطرة الإعلامية على وجدان الناس.
لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: العراق بحاجة إلى نظام رئاسي، لا برلماني، نظام يختار فيه الشعب رئيسه مباشرة، ويُحاسبه مباشرة، ويُفكك فيه الارتباط المرضي بين البرلمان والحكومة. كما يحتاج إلى أن يُنتخب المحافظون من أبناء محافظاتهم، لا أن يُفرضوا بصفقات مجالس المحافظات التي لا تقلّ فسادًا عن البرلمان.
هذا المشروع ليس دعوة للانقلاب على الديمقراطية، بل هو تصحيحٌ لها، وعودة إلى جوهرها الحقيقي: أن يكون الشعب هو مصدر السلطات لا الأحزاب ولا الكتل ولا الأجندات الخارجية.
إن الدولة التي نحلم بها لن تُبنى بالنيات وحدها، بل بمنظومة جديدة، تضع المواطن في قلب المعادلة، وتُنهي هيمنة المؤسسات التي تحولت من أدوات للبناء إلى أدوات للتخريب.
ارسال التعليق