البرنامج النووي وازدواجـــيــة المعايير

البرنامج النووي وازدواجـــيــة المعايير

د. صادق كاظم

في تموز من العام 1979 رصدت الأقمار الصناعية العالمية انفجاراً نووياً غامضاً في إحدى الجزر الواقعة في جنوب أفريقيا على المحيط الهندي، مما جعل وكالات المعلومات الاستخبارية العالمية والغربية تتحرك لكشف غموض هذا التفجير؛ لتكتشف لاحقاً بأن سببه يعود إلى حدوث تفجير نووي مشترك بين تل أبيب وجوهانسبرغ

 

حيث اختبرت عدة قنابل نووية هناك. وبالرغم من النفي المشترك لهذه المعلومات، لكن سقوط النظام العنصري في جنوب أفريقيا وقرار الرئيس مانديلا بتفكيك البرنامج النووي قد سلط الضوء على المزيد من أسرار البرنامج النووي العائد لتل أبيب التي تبنت ومنذ ولادة هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين المحتلة في العام 1948 سياسة الغموض تجاه امتلاكها لسلاح نووي فتاك تحتفظ به لتهديد دول المنطقة، وتحت مزاعم منع تعرض الكيان إلى السقوط والزوال. تشير المعلومات التي كشفها لاحقاً الفني في المفاعل النووي الصهيوني (موردخاي فانونو) والتي نشرتها لاحقاً صحيفة صنداي تايمز البريطانية والتي أكدت فيها وبشكل موثق وجود سلاح نووي لدى تل أبيب، وأن هذا السلاح النووي موجود بالفعل منذ ستينيات القرن الماضي بناءً على قرار اتخذه زعيم الكيان في ذلك الوقت ديفيد بن غوريون وبدعم غربي كبير، ولكن من دون الكشف عنه علناً خشية أن يكون ذلك دافعاً لدول المنطقة للشروع بسباق تسلح نووي يكون عامل تهديد لتل أبيب. ومنذ ذلك الوقت ولحد الآن ما زالت حكومة الكيان ترفض الكشف عن أنشطتها النووية ولا تقبل الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية أو بتفتيش مفاعلها الرئيسي في ديمونا من قبل وكالة الطاقة النووية الدولية، بينما تهدد أي دولة في المنطقة بالحرب والعدوان في حال قيامها بإقامة منشآت نووية حتى وإن كانت سلمية، وهو ما حصل فعلاً من خلال ضرب المنشآت النووية لدى كل من العراق وسوريا، فضلاً عن تفكيك البرنامج النووي الليبي إلى الأبد.

الغرب والولايات المتحدة لم يخفيا دعمهما الواضح لتل أبيب في حقها العدواني بامتلاك السلاح النووي وعدم السماح لأية دول أخرى في المنطقة بذلك، وهو ما يفسر تعرض البرنامج الإيراني إلى العقوبات الواسعة والحرب من أجل تفكيكه، ورغم أن إيران التي لديها برنامج نووي متقدم ومعلن عنه لدى وكالة الطاقة النووية الدولية وخاضع لرقابتها لم تعمل على إخفائه أو إنكاره، إذ إنها لم تسلم بدورها من الاستهداف الصهيوني. حيث تعرض برنامجها ومنذ العام 2009 إلى العديد من المحاولات التخريبية والتهديدات وعمليات الاغتيال ضد علمائها النوويين، فضلاً عن تعرضها لعقوبات أوروبية وأمريكية منحازة إلى تل أبيب دفعت بها إلى إقامة اتفاق إطاري مع واشنطن والترويكا الأوروبية في العام 2015 والذي لم يستمر؛ حيث انتهك وألغي لاحقاً من قبل الرئيس الأمريكي ترامب بتحفيز وتشجيع صهيوني الذي كان وما يزال متحمساً لإلغائه وتدميره بشكل نهائي وأشعل من أجل ذلك حربين والتي انتهت قبل شهر فقط بانتظار المفاوضات اللاحقة لتحديد مصيره وسط تجاذبات حادة بين الطرفين تهدد بعودة الحرب في أية لحظة.

الانحياز الواضح وسياسة الكيل بمكيالين والاصطفاف إلى جانب تل أبيب بالرغم من جرائمها الواسعة وسياساتها العدوانية والمجازر الدموية الفظيعة التي تقوم بها ظل عاملاً مسيطراً على السياسات الأمريكية والغربية في المنطقة، إذ ما تزال تل أبيب تحظى بدعم واضح من الولايات المتحدة، بل وتعطيها الحق في تبني وامتلاك أسلحة الدمار الشامل بضمنها السلاح النووي وتمارس عملية غض الطرف عنه. حيث أن هذه السياسة لا تعكس مصداقية حقيقية ورغبة أكيدة في فرض معايير العدالة والسلام التي تدعو لها وتشن الحروب من أجلها، بل ازدواجية واضحة في تقديم الدعم المعلن للكيان الغاصب بتجسيد تفوقه وهيمنته المطلقة وتمكينه من استدامة عمله العدواني واغتصاب حقوق الشعب العربي في فلسطين وعدم ممارسة الضغوط والجهود الكافية لإقرار تلك الحقوق ودعمها.

إن الانخراط والحماس الأمريكي بالمشاركة في الحرب ضد إيران والعمل على تفكيك برنامجها النووي واتخاذه ذريعة لشن الحرب وما رافقها من نتائج وعواقب وخيمة انعكست على الاقتصاد العالمي وغلق مضيق هرمز لا يؤكد سوى حقيقة واضحة وثابتة بأن الكيل بمكيالين ما تزال السياسة الأكثر وضوحاً وتبنياً من قبل الولايات المتحدة باعتبار أن الكيان هو القاعدة الأكثر تمثيلاً للمصالح والأهداف الغربية وأنها تمثل رأس الرمح في المشروع الغربي التآمري على المنطقة العربية منذ اتفاقية سايكس بيكو ويطرح العديد من الأسئلة حول المعايير المشروعة التي تقف عندها العقيدة الفكرية والسياسية الأمريكية، حين تندفع وتسمح لعصابات من القتلة العنصريين بامتلاك أخطر سلاح فتاك في العالم لا يتورعون يوماً عن استخدامه ولا توجد ضوابط عقلانية لديهم أو قيود أخلاقية وازنة وهم يشاهدون كل يوم ماذا فعلت تلك عصابات الحاكمة في تل أبيب بأرض غزة والضفة وجنوب لبنان من عمليات إبادة وتدمير جماعي للأرض والسكان هناك.

ارسال التعليق