الحشد الشعبي العراقي:

الحشد الشعبي العراقي:

د. عامر الربيعي 

 

تعتبر ظاهرة الحشد الشعبي العراقي من الظواهر الثورية الحديثة في القرن الواحد والعشرين قل نظيرها , ولغرض تحليل هذه الظاهرة لا نحتاج الى تاريخ نقلي ، للوقوف عند اسبابها ، ودوافعها وما هو الهدف الأساسي من اعلانها،وبالتالي ماهي مهمتها، لأننا من المعاصرين للإحداث التي استوجبتها، واهمها التدرج في التنظيم والقوة والاندفاع الذي تميزت به حركة المجاميع الارهابية التكفيرية وعنفها في ارهاب الناس الآمنين بجاهلية مفرطة ، ومنها ايضا مهمتها التي تنطلق من شعار تأسيسي ( جاهلية الامة )وموازاة حركتها الجيوسياسية في استباحة أرض العراق مع اهداف حركة الأمريكي منذ  2003 والى الان، الذي طبق في العراق نسخته في الفيدرالية الديمقراطية ، وهو قائم أيضآ على جاهلية الأمة الُمبّشَرة بفلسفة جديدة.

 

 

اذن تنبع اهمية ظاهرة الحشد الشعبي الثورية على انها كانت ( مفصلية) في منبعها من حيث الزمان ، والمكان واجهت في نفس الوقت عدوين ارتكزت عليهما تطلعات واهداف النظام الرأسمالي بتعدد أنماطه الفكرية في الساحة الغربية): 

 

*العدو الاول* المدرسة التكفيرية التي استُدعَت من انكسارات في التاريخ الإسلامي،استخدمت في ساحات إسلامية عدة من قبل امريكا كالهند وافغانستان والعراق والجزائر في مراحل معينة من التاريخ الحديث واليوم تضخيم دوره عالميا كفكر يعلق عليه نوايا التطرف في تأسيس دولة .

 

*والعدو الثاني* هو امريكا ذاتها وحلفها مع الكيان الصهيونى باعتبارها الممثل الحقيقي للمذهب الرأسمالي ادعى انه صالح لقيادة العالم ذو عقيدة يهودية مبطنة بدات تظهر ملامحها بإسقاطها للدول العربية القومية. 

 

تنبع مفصلية هذه الفتوى انها شخصت وجه العداء المحدق بالعراق  على اساس فقهي وقانوني، كفتوى تصدر من مؤسسة اقدم من تاريخ الدولة العراقية الحديثة ، وتعتبر اكبر مرجعية عقائدية للمسلمين الشيعة في العالم، إلا وهي مرجعية النجف , تناوب على قيادتها مجموعة فذه من الأعلام والمراجع ومنهم السيد المرجع السيستاني, الحاصل على درجة ألاجتهاد والاعلمية و الجامع للشروط , والملم بالوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي يمر به العراق .

 

من خلال مرجعيته ومكانته,وما يتمتع به هذا الرمز من دور في قيادة وتصويب حركة البيئة الإجتماعية العراقية ولفت انتباهها نحو اولوياتها ساعد في انخراط  الأمة لتساهم في تقويم حركة الدولة العراقية بنظامها الفيدرالي النابع من اهداف ونوايا رأسمالية ، لدرء الخطر و إيجاد الحلول من خلال اعتماد وإمساك القضايا الكلية بعيدا عن الصغريات التي انطلق منها الراسماليون او التكفيريون. 

 

استطاعت الفتوى من تحشيد الأمة للدفاع  والوقوف بوجه خطر يهدد وجود العراق , عرف بأسم الدولة الإسلامية في العراق والشام [داعش], مميزاته انه تنظيم ذو بنية عقائدية ينتمي الى[المذهب الوهابي] العقيدة الرسمية للمملكة العربية السعودية، احد ابرز أسلحته التكفير والإقصاء.

 

فتوى الجهاد الكفائي , كفتوى جهادية ثورية انطلقت من مؤسسة يعتبرها العراقيون الممثل العقائدي لهم ,أعلنت رفضها لهيمنة فكر الجماعات التكفيرية التي استثمرت ازمات فكرية في التاريخ الإسلامي ولدت من الأزواج بين التطرف والاستعمار مثال محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية والتراكم الفكري الذي انبثق عنهما، مصدرا للقيم الأخلاقية في تثبيت اركان دولة داعش ، التي انتهت بدورها الى جعل ما صدر عن هذا التراكم الفكري مطلق في الوجود ، بعيدا عن منهج كلام الله ومحمد ص ، فحللت هذه الجماعات التكفيرية اثناء حركتها على ارض الواقع ، القتل والحرق والذبح بديل عن تعاليم الدين الاسلامي ألسمحة والخلط المتعمد في أوجه استخدام (مفهوم الدعوة الى الإسلام ), وبين مفهوم (استخدام القوة في الإسلام ), ومحاولة اظهار اسبقية المفهوم الثاني واعتباره أولوية مطلقة تحركت من خلالها هذه الجماعات الارهابية.

 

تعتبر مرحلة الصدمة التي عصفت بالعراق بعد الاحتلال الامريكي، وتواجد المارينز في حركة العراق ، سار بموازاته تبلور لكيانات دخيلة كجماعات القاعدة كذراع مقاتل على نفس الأرض , يشير ضمنا إلى مرحلة تزاوج حركة الجانبين لخلق بؤرة تبريرية تخلق الأزمات والتي تباعا اخذت منحا تراكميا لتعلن داعش أهدافها الجيوسياسية في ظل المحتل الأمريكي وتلغي حدود سايكس بيكو، حدود اصطنعتها الدول  الأنكلوسكسونية. 

 

تأتي هذه الفتوى امام هكذا خطر لتنظم صفوف الشعب العراقي نحو هدف استيعاب هذه الصدمة التي رفعت بوجه العراقي الاقصاء والتكفير, والانتقال إلى مرحلة التحشيد فتم وضع البيئة الكادحة من كل اطياف الشعب العراقي من خلال الفتوى امام مسؤوليتها  ورفض الواقع التكفيري الباطل, وعدم الانقياد خلف تبريرات لهذا الوضع  تحت اي شعارات كانت دينية السياسية , فكانت الفتوى التي وضعت الشعب امام مسؤوليته،رفعت ايضا من قدسية حركته في التأريخ الإنساني وجعلته يسير ضمن نواميس تكوينية للخلق والكون الا وهو الصراع بين الحق والباطل , فامتثل الشعب العراقي لصوت المرجعية , وهب لإحقاق الحق رافضا للظلم والباطل والمنكر, ليقاد الانسان العراقي وينهض ناصرا للفطرة الإلهية ومصححا ساحة العراق نحو قوانيين الوجود والإصلاح.

 

النتائج التي تمخضت عن فتوى الجهاد الكفائي , وساهمت في اعادة ثقة الشعب العراقي بمسؤوليته امام مجتمعه بعد فترات مظلمة من حكم نظام دكتاتوري ,أعقبتها فترة احتلال امريكي- دولي،

 من ابرزها: 

 

١- عملت فتوى الجهاد الكفائي على انهاض عملية الاحياء ألحضاري وتفاعلها مع حركة البيئة الاجتماعية حيث وضعت هذه الفتوى الأمة العراقية امام مسؤولياتها الكبرى حيث وجهتهم نحو معرفة الحق والاصطفاف الى جانبه, وتوظيف ما لديها من امكانيات وطاقات في خدمة هذا الحق , ومواجهة التحديات والثبات أمام العدو والعمل الدءوب للحفاظ على مكتسبات هذا النهوض الحضاري في تفجير الطاقات الخلاقة في عملية البناء والتنمية .

 

  ٢- النواة التي تكون منها الحشد الشعبي , هم ابناء الشعب العراقي من مختلف الفئات باختلاف وتوجهاتهم العلمية والدينية، امتثالا لنداء الجهاد والوقوف ضد الخطر المحدق بالعراق.

 

 ٣- الإنسجام في الحركة بين المرجعية ومؤسساتها وبين الشعب العراقي ، القيت الفتوى في خطبة خاصة, ونداء موجه من قبل أعلى مرجعية دينية في العالم (علي السيستاني) , الى ابناء الشعب العراقي , القى  النداء  الشيخ عبد المهدي الكربلائي:

كان النداء لا يخلوا من مصارحة الشعب بالمخاطر التي يراد للعراق ان يواجهها,باعتبار انها مخاطر احاطت به , ووصفت بأنها اوضاع خطيرة جدا ,وان هذا الخطر لا يستهدف مكون عراقي دون اخر,وانما مجاميع ارهابية تستهدف كل المحافظات العراقية , لذلك يتوجب على الشعب العراقي والقيادات السياسية , مسؤولية التصدي لهم ، للتذكير هدف ترامب في ولايته الاولى يشبه هدف داعش،  بشر بانتهاء دولة تسمى العراق.

 

٤- فشل النظام الفيدرالي في قيادة العراق إلى بر الامان ، فعند اختصار الفترة من 2003-2014 والبدائل التي كانت متاحة للعراق فهو:احتلال امريكي , جمود تاريخي وضع فيه ألعراق في قفص الاتهام والعودة به الى منهج السلف , استحضار منهج وهابي تكفيري, من خلف قضبان التأريخ ،وتكرار مشاهد حصد أرواح العراقيين يوميا تحت عقيدة الاحتواء والارض المحروقة من اطراف عدة اضيفت داعش كمعول جيوسياسي.

 

وهنا تكمن اشكاليات, تتطلب الاجابة عليها,حتى يعي النظام الحاكم والبرلمانيون العراقيون بما فيهم السيد رئيس البرلمان محمود المشهداني حقيقة ماكان ينتظر العراق في تلك الحقبة والقاء الضوء على عبارة خطاب المرجعية انذاك ان هناك خطرا محدقا بالعراق والتي على أساسها تم اعلان الجهاد.

 

الاشكاليات :

٠ هل انتفى خطر الجماعات التكفيرية ضد العراق ؟

 

وخاصة بعد التغيير الماساوي لسوريا الذي انتهى باحتلالها من قبل الكيان الصهيونى، فهل ستكون الدولة العراقية امام سيناريو شبيه ،خطر يسببه ويفتح له الأبواب بعض الخونة اللذين يصطفون إلى جانب نظام الحكم التكفيري في سوريا وداعميه،  فعلى ماذا استند هولاء ليوجهوا تهديدهم البشع للدولة ألعراقية؟

 

اين يكمن دور المجتمع الدولي, الذي دخل العراق الى جانب الولايات المتحدة لتحريره, فما هي نوعية الغطاء الدولي الذي  توفر للجماعات الارهابية؟

 

تحركت الولايات المتحدة, كبلد محتل للعراق ,هل حصل على الشرعية القانونية؟ ام الشرعية الدولية؟ ومن ناحية اخرى تحركت القاعدة وداعش في ظل الاحتلال الامريكي للعراق, فهل حصلت هذه التنظيمات الإرهابية على الشرعية القانونية لتتواجد في ارض توجد فيها كل دول العالم تقريبا , ام كان يكفيه حصوله على الشرعية العقائدية ليبرر تواجده معهم ؟ فمن اين حصل على الشرعية هذه؟

 

وهنا اصبح من حقنا ان نتسأئل كيف حصل التوافق بين الاجندات القائمة على تقسيم ألعراق التي جاءت بها امريكا , وبين حركة داعش على الأرض وإعلان احتلاله لاراضي من العراق وسوريا , وهدد بإلغائهما, وبدأ فعليا  في 2025 بإلغاء الدولة السورية التي تتعرض للدمار الممنهج من قبل العدو الأصيل الكيان الصهيونى في ظل حكم الجماعات التكفيرية،فهل سيمارس دواعش السياسة في العراق ويعمدوا العمل على الغاء الدولة العراقية ويقعوا في فخ التغيير في سوريا ؟

 

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الأوربية في باريس

ارسال التعليق