حرب ترامب على إيران.. منطق التدمير لا الاحتلال: ترمب تدمير إيران.. أنا الرابح الوحيد

حرب ترامب على إيران.. منطق التدمير لا الاحتلال: ترمب تدمير إيران.. أنا الرابح الوحيد

 

لماذا أصبحت الحرب خياراً شبه حتمي في عقل دونالد ترامب؟ وما طبيعة هذه الحرب؟ ومن هو المستفيد الحقيقي منها؟
هذه القراءة لا تنطلق من منطق النوايا أو الخطابات، بل من تحليل بنية المصالح، وأزمة النظام الأميركي، وتحولات النظام الدولي، وطبيعة العقل الترامبي بوصفه عقلاً صدامياً، تفكيكياً، يرى في التدمير أداة لإعادة الهيكلة لا مقدمة للبناء.
*أولاً: التحول الجوهري في جهة المبادرة بالحرب*
أحد أهم الاستنتاجات هو التحول غير المسبوق في موقع المبادرة العسكرية. فالمعطيات المتداولة سياسياً وإعلامياً تشير إلى أن الولايات المتحدة هي من ستبادر بالضربة، لا إسرائيل.
هذا التحول يحمل دلالات استراتيجية عميقة:
– انتقال إسرائيل من فاعل مركزي إلى عبء وظيفي
– رغبة ترامب في ضبط مسار الحرب ونتائجها بعيداً عن الحسابات الإسرائيلية
إن تحييد إسرائيل إعلامياً ليس صدفة، بل جزء من إعادة تعريف دورها ضمن الاستراتيجية الأميركية الجديدة.
*ثانياً: التهويل الإعلامي كمرحلة تأسيسية للحرب*
التهويل ليس بديلاً عن الحرب، بل هو إحدى أدواتها الأساسية.
وظائف هذه المرحلة تشمل:
– تهيئة الرأي العام الأميركي والعالمي
– كسر المعنويات وخلق شعور بالحتمية
– تأهيل مسرح العمليات نفسياً وسياسياً
من منظور تاريخي، لم تكن الحرب يوماً فعلاً عسكرياً صرفاً، بل منظومة متكاملة تبدأ في الوعي قبل أن تنتقل إلى الميدان.
*ثالثاً: الأزمة الداخلية الأميركية والهروب إلى الخارج*
– تراجع الشعبية
– حراك احتجاجي واسع في مئات المدن الأميركية
– أزمة اقتصادية وتضخم متصاعد
– صدام مع الاحتياطي الفيدرالي
– تهديد حقيقي في الانتخابات النصفية
في هذا السياق، تصبح الحرب أداة لإعادة شدّ العصبية القومية، وإعادة إنتاج الزعامة بالقوة، وتحويل الصراع من الداخل إلى الخارج.
*رابعاً: فشل الخيارات البديلة – فنزويلا وغرينلاند*
إن ترامب حاول تحقيق اختراقات استراتيجية سريعة عبر:
– فنزويلا (النفط، الذهب، المعادن)
– غرينلاند (المعادن، القطب الشمالي)
لكن هذه المسارات واجهت عقبات بنيوية:
– كلفة استثمار عالية
– أزمات قانونية وسياسية دولية
– صدامات مع أوروبا وروسيا والصين
فشل هذه الخيارات أعاد إيران إلى الواجهة بوصفها ساحة قادرة – من وجهة نظر ترامب – على تحقيق نتائج أسرع وأعمق.

*خامساً: التقدير المركزي – الحرب ليست لإسقاط النظام ولا لتحرير الشعب الايراني ولا حتى لتحقيق مصالح إسرائيل بل للتدمير*
فالحرب التي يخطط لها ترامب ليست حرب احتلال، ولا حرب تغيير نظام، ولا حرب “تحرير”.
إنها حرب تدمير ممنهج.
أهدافها الأساسية:
– إدخال إيران في فوضى طويلة الأمد
– تدمير بنيتها الاقتصادية والطاقوية
– تعطيل دورها الإقليمي
– كسر نموذج الدولة العقائدية المقاومة من دون تحمل كلفة الاحتلال أو إدارة ما بعد الحرب.
*سادساً: النفط وخاصة نفط الخليج الرخيص مكسب بنيوي للحرب*
إن العامل الحاسم في قرار الحرب هو النفط، لا إيران بذاتها.
حيث أن النفط الخليجي والإيراني الرخيص يشكّل:
– رافعة صعود الصين والهند
– عامل توازن في الاقتصاد العالمي
ومن خلال ضرب إيران:
– ترتفع أسعار النفط عالمياً
– تتضرر آسيا أولاً
– تُستنزف أوروبا أكثر
– تتحول الولايات المتحدة وروسيا إلى المستفيدين الأكبر
الحرب أداة لإعادة هندسة سوق الطاقة العالمي بما يخدم إبطاء صعود آسيا.
*سابعاً: الرد الإيراني في الحسابات الترامبية*
إن  ترمب يفترض  أن كل أشكال الرد الإيراني محسوبة:
– ضرب القواعد الأميركية يبرر الانسحاب من الشرق الأوسط؛ وترمب منذ انتخابه يتبنى الانسحابية من الشرق الأوسط خاصة وقد أعلن أن أمريكا ليست شرطي العالم.
– إغلاق المضائق يرفع أسعار النفط لصالحه؛ وإن نتج عن هذا الارتفاع بعض التأثير السلبي إلا أنها أضرار جانبية يمكن لأمريكا معالجتها وتجاوزها.
– حتى انهيار إسرائيل لا يُعد خسارة استراتيجية في منطق ترمب الوظيفي.
– خسارة الجنود الأمريكيين في القواعد وخسارة حتى ملايين المستوطنين في الكيان هي مجرد جزيئات غير مهمة لترمب ولا يقيم لها أي وزن، وهذا منطق العقل الأنجلوساكسوني تاريخيًا؛ فهو يفكر بمصالحه ويعتبر كل ما دونها غير مهم.
وفق هذا العقل الترمبي، الكيانات عبارة عن أدوات، وعندما تنتهي وظيفتها يُعاد توظيفها أو التخلص منها.

*ثامناً: إسرائيل ولوبي العولمة كعبء استراتيجي*
ترامب يرى في نتنياهو ولوبي العولمة عبئاً يعرقل مشروعه لإعادة هيكلة أميركا والعالم. والحرب على إيران قد تشكّل فرصة لإعادة ضبط هذا اللوبي أو تقليص نفوذه بالقوة.
وبذلك حتى لو أدت حربه على إيران إلى تبدد إسرائيل ونهاية الكيان فهذا لن يكون خسارة لترمب بل يتخلص بذلك من اللاعب الأساسي والشريك الأصيل لحكومة الدولة العميقة لوبي الشركات.
*تاسعاً: خيارات إيران بين الدفاع والمبادرة*
إن إيران ليست بلا أوراق، لكنها مطالبة بالانتقال:
– من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة
– من انتظار الضربة إلى كسر مسارها
خاصة مع ما نشهده من التحولات الإقليمية – في الخليج وتركيا وباكستان – والتي تفتح هوامش مهمة، لكنها بلا قيمة إن لم تُفعَّل عناصر القوة الإيرانية في التوقيت المناسب.
*عاشرًا :  يمكننا بعد هذا العرض تنظيم الطرح الجديد والصادم وفق المحاور التالية:
*أولًا: الحرب ليست دفاعًا عن إسرائيل بل تحييدًا لها*
إن الخطأ التحليلي الأكبر هو افتراض أن أي حرب أمريكية على إيران ستكون استجابة مباشرة لأجندة نتنياهو أو لحماية الكيان الإسرائيلي. على العكس، يذهب إلى أن ترامب يدرك نقاط ضعف إسرائيل، ويعتبرها عبئًا استراتيجيًا ولوبيًا مرتبطًا بـ”العولمة السياسية” التي يسعى إلى تفكيكها. من هذا المنظور، فإن تحييد نتنياهو أو حتى السماح بانهيار إسرائيل لا يُعد خسارة جوهرية في الحسابات الترامبية، بل قد يكون مكسبًا إذا أدى إلى كسر نفوذ لوبي العولمة داخل القرار الأمريكي.
*ثانيًا: النفط الخليجي هو الدافع المركزي للحرب*
السبب الحقيقي للحرب،  هو النفط الخليجي الرخيص الذي يمول صعود الصين والهند، ويُضاف إليه النفط الروسي. فبعد فشل الولايات المتحدة في الاستيلاء على النفط الفنزويلي بهدف خنق الصين اقتصاديًا، باتت إيران والخليج الهدف البديل. الحرب على إيران تهدف إلى “تطبيش” هذا المصدر الحيوي للطاقة، لا السيطرة عليه، بما يؤدي إلى حرمان آسيا من النفط الرخيص وإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي لصالح الولايات المتحدة.
*ثالثًا: حرب تطبيش لا حرب احتلال أو بناء أمم*
إن حرب ترامب على إيران ليست حرب إسقاط نظام بالمعنى الكلاسيكي، ولا حرب تحرير، ولا مشروع بناء أمم أو إعادة هندسة سياسية. إنها حرب تدمير منظم  تهدف إلى إدخال إيران والمنطقة في فوضى طويلة الأمد. الفوضى، في العقل الأمريكي، ليست فشلًا بل أداة: تفكك المجتمعات، تدمير الهويات، كسر الثقافات، وفتح المجال أمام إعادة الاستثمار في الخراب لاحقًا.
*رابعًا: استهداف النموذج الإيراني كحامل قيمي حضاري*
إيران  ليست مجرد دولة معادية، بل نموذج حضاري-قيمي خارج “النص والسياق” الغربي. نظام ديني مقاوم، يحفز على الاكتفاء، يحد من الاستهلاك، ويُنتج مناعة ثقافية ضد الهيمنة الأمريكية. هذا النموذج، الذي صمد 45 عامًا وأفشل مشاريع كبرى في المنطقة، يشكل عائقًا بنيويًا أمام المصالح الأمريكية، ولذلك فإن تدميره أو تفريغه من مضمونه هدف بحد ذاته.
*خامسًا: حسابات الرد الإيراني… والخسارة الصفرية لترامب*
إن ترامب لا يخشى الرد الإيراني، بل يحتسبه مسبقًا. إغلاق المضائق أو رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية سيضر أساسًا بآسيا وأوروبا، بينما تستفيد الولايات المتحدة بوصفها منتجًا ومصدرًا رئيسيًا للطاقة. حتى ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة يخدم ترامب، لأنه يوفر له الذريعة لسحب القوات الأمريكية، وإنهاء التزامات الشرق الأوسط، وتنفيذ استراتيجيته القاضية بأن “أمريكا ليست شرطي العالم”.
*سادسًا: تفكيك الشرق الأوسط للتركيز على الصين*
الحرب على إيران، ضمن هذا الإطار، هي أداة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأمريكية: التخلص من عبء الشرق الأوسط، تفكيك بقايا نفوذ لوبيات الحرب، وإعادة توجيه القوة الأمريكية نحو كبح صعود الصين والهند وأوراسيا. الشرق الأوسط في العقل الترامبي ليس ساحة مركزية، بل عبء يجب التخلص منه بأقل كلفة وأكبر فوضى.
*سابعًا: الهدف النهائي… التدمير ثم الاستثمار في التدمير*
إن هدف الحرب ليس السيطرة بل التدمير، وليس النصر العسكري بل إحداث صدمة حضارية واقتصادية طويلة الأمد. منطقة مدمرة تحتاج عشرين عامًا للنهوض، تكون خلالها أمريكا قد أعادت هيكلة نفسها، وأعاقت صعود منافسيها، واستثمرت في خراب الآخرين. هذه هي حرب ترامب: حرب الملك الذي لا يبني إمبراطوريات… بل يحرق الطريق أمام غيره.
إذا الحرب على إيران – إن وقعت – ليست حدثاً معزولاً، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة، عبر التدمير والفوضى لا عبر البناء والاستقرار.
إنها حرب على الزمن الآسيوي الصاعد، وعلى منطق التعددية القطبية، تستخدم إيران كساحة، لا كهدف نهائي.

ميخائيل عوض / لبنان

ارسال التعليق