خامنئي الشهيد والعراق الذي لم ينسَ مواقفه
ياسر عبد الزهراء الحجاج
الملحق الثقافي العراقي السابق في إيران
في الذكرى الأربعين لاستشهاد سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي تتجدد مشاعر الحزن والأسى ويُستعاد ذلك الحدث الجلل الذي لم يكن مجرد واقعة عابرة في سياق الصراع السياسي، بل وشكّل محطة مفصلية في تاريخ المنطقة والأمة الإسلامية.
فقد جاء استشهاده إثر استهداف أمريكي مباشر طال شخصه وأفراداً من عائلته في مشهد عكس حجم الاستهداف الذي يطال الرموز الدينية ذات الحضور والتأثير العابر للحدود.
إن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في فقدان شخصية سياسية أو قيادية، بل في استشهاد مرجع ديني وزعيم روحي يتبعه الملايين من المسلمين في شتى أنحاء العالم.
ومن هنا.. فإن تداعيات هذا المصاب لم تقتصر على بلد بعينه بل امتدت لتلامس وجدان الشعوب الإسلامية وضميرها وفي مقدمتها الشعب العراقي الذي عبّر عن موقفه الواضح حكومةً ومرجعيةً وشعباً، مستحضراً عمق العلاقة التي ربطته بهذه الشخصية الاستثنائية.
ولعل السؤال الذي يُطرح في هذا السياق؛ لماذا كان التفاعل العراقي بهذا المستوى من الحضور والتأثر؟
والجواب يكمن في تاريخ طويل من المواقف والدعم الذي قدمه المرجع الشهيد للعراق وشعبه وفي أحلك الظروف وأشدها قسوة.
فالعراقيون ولا سيما أولئك الذين عاشوا تجربة الهجرة أو التهجير إلى إيران يدركون جيداً حجم الرعاية التي حظوا بها، حيث فُتحت أمامهم أبواب الكرامة بعد أن أُغلقت في وجوههم من بعض البلدان الشقيقة، وعاشوا في ظل رعاية هذه المرجعية باحترام وتقدير واستطاعوا مواصلة حياتهم العلمية والاجتماعية دون انكسار.
أما على مستوى الدولة، فقد كان للمرجع الشهيد دور محوري في دعم العراق بعد سقوط النظام البائد، إذ وقف إلى جانب بناء النظام السياسي الجديد مؤكداً على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق وسيادته ورافضاً كل أشكال التقسيم أو الهيمنة عليه.
ولم يكن هذا الدعم مجرد مواقف سياسية، بل تُرجم إلى رؤية ثابتة تقوم على تعزيز استقرار العراق بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها.
وفي سياق التحديات التي واجهها العراق، برزت مواقفه الداعمة بشكل واضح، حيث كان يؤكد باستمرار على ضرورة حماية الدولة ومنع انهيارها والدفع باتجاه تماسك مؤسساتها في مواجهة الأخطار، وقد انعكست هذه الرؤية في أشكال متعددة من الدعم والإسناد، اذ ظهرت آثارها في قدرة العراق على تجاوز مراحل حرجة من تاريخه الحديث، واستعادة توازنه في لحظات كانت تنذر بتداعيات خطيرة على مستقبله ووحدته.
وفضلاً عن ذلك، هناك جانب مهم لم يحظَ بما يستحقه من تسليط إعلامي، يتمثل في دعمه للنخب العلمية والفكرية والحوزوية العراقية التي اضطرت للهجرة إلى إيران، فقد وفر لهم المرجع الشهيد بيئة حاضنة لمواصلة مسيرتهم العلمية، وأسهم في احتضان طاقاتهم وتطويرها، حتى أصبحت هذه الكفاءات جزءًا فاعلًا في المؤسسات العلمية والدينية في الجمهورية الإسلامية.
وقد برزت من بين هذه الشخصيات أسماء عراقية وصلت إلى مواقع متقدمة، مثل الفقيد آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي الذي تولّى رئاسة السلطة القضائية، وآية الله الشيخ محمد علي التسخيري الذي شغل موقع المستشار الخاص للمرجع الشهيد، فضلًا عن كونه أميناً عاماً للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، بالإضافة الى مئات الشخصيات العلمية الأخرى التي أسهمت في رفد المؤسسات الإيرانية بخبراتها.
ويجدر في هذا السياق التأكيد على أن هذه الظاهرة لم تكن محدودة أو عابرة، بل اتخذت طابعاً مؤسسياً واسعاً، حيث تم احتواء غالبية تلامذة الإمام الشهيد محمد باقر الصدر ضمن مؤسسات الدولة الإيرانية، بغضّ النظر عن انتمائهم العراقي، إذ مُنحوا الفرص الكاملة لمواصلة مسيرتهم، بل وحصل كثير منهم على التابعية الإيرانية، ما أتاح لهم الاندماج الفاعل في البنية العلمية والفكرية للدولة.
وفي تجربة شخصية لافتة تعكس مستوى هذا الحضور، يمكن الإشارة إلى ما شهدناه خلال برنامج رسمي برعاية وزارة التعليم العالي العراقية أقيم في العاصمة طهران، حيث تم استقبال أكثر من ثلاثمائة شخصية عراقية نخبوية في إيران، جميعهم من أصول عراقية وكانوا يشغلون مواقع علمية وأكاديمية متقدمة في المؤسسات التعليمية والبحثية الإيرانية، وهو ما يكشف بوضوح حجم الاستثمار في العقل العراقي والبيئة التي أُتيحت له للنمو والإنتاج.
إن استذكار هذه الأدوار في ذكرى استشهاده لا يهدف فقط إلى استحضار الماضي، بل إلى فهم عمق العلاقة التي نسجتها المواقف الصادقة في لحظات المحن، فقد كان المرجع الشهيد يرى في استقرار العراق ووحدته ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة ولذلك لم يدخر جهداً في دعمه على مختلف المستويات بما يعزز صمود الدولة ويحفظ تماسكها.
وهكذا، تبقى هذه الذكرى محطة للتأمل في إرث رجلٍ لم يكن حضوره عابراً، بل كان مشروعاً متكاملاً في دعم قضايا الأمة وفي مقدمتها العراق، الذي احتل مكانة خاصة في رؤيته ومواقفه.
ارسال التعليق