وعسى أن تكرهوا (حرباً) وهي خير لكم !

وعسى أن تكرهوا (حرباً) وهي خير لكم !

أحمد رضا المؤمن 

 

قبل عام كامل بالتمام وتحديداً يوم 13 حزيران 2024 (قبل عام كامل من تأريخ العدوان الإسرائيلي على إيران) سافرت مع عائلتي إلى إيران للزيارة والسياحة توزعت على ثلاث مدن هي طهران وقم ومشهد .

 

خلال تلك السفرة سجلت ملاحظات مُقلقة جداً ومؤلمة حول مواقف الكثير من الإيرانيين من الشباب وهم يجاهرون بعدائهم لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران والولي الفقيه المرجع السيد الخامنئي "دام ظله الوارف" وإلقاء اللوم عليه وعلى قادة النظام وخصوصاً من الحرس الثوري بأنهم السبب وراء كل مصيبة يعانيها الشعب الإيراني وان هذا النظام قد انشغل بدعم فلسطين وترك شعبه يتضور جوعاً ! 

وعندما كنت أسألهم أين هو الجوع الذي تتحدثون عنه مع هذا الزهد في الأسعار عندكم ، حيث وقود السيارات بسعر الماء أو أقل والمواد العذائية متوفرة بكل أنواعها بصناعات وطنية بأسعار زهيدة أيضاً وهكذا بقية البضائع بفضل إعتمادهم على الصناعات الوطنية .

 

كان يأتيني الرد من هؤلاء غريباً لا يقنع به منصف بأنك تقول ذلك لأنك تحب السيد خامنئي وتجهل ما يجري في إيران !

 

وعندما سألتهم عن معنى التظاهر العنيف مع التخريب والتحريض على الدولة ومؤسساتها بسبب موت "مهسا أميني" الفتاة الإيرانية التي ماتت بسبب عارض صحي موثق بالكاميرات أثناء مراجعتها في أحد المستشفيات ، وما معنى أن ترافق ثم تتبع هذه التظاهرات قيام عدد هائل من النساء الإيرانيات بالسفور والتبرج المتعمد ؟ فيكون جوابهم بأن هذه الأفعال إحتجاج على سياسة الدولة !!

وعندما أقول لهم بأن الحجاب والعفة والغيرة (فطرة) إنسانية ولا علاقة لها بالسياسة ، بأن الحجاب يحتاج إلى قناعة وليس إجبار !!

 

وهكذا كلما حاورتهم أكثر حول النعم التي تحيط بهم من كل جانب بسبب الثورة الإسلامية ونظامها ، كلما كانت إجاباتهم تبذل كل جهد للبحث عن خطأ أو زلل أو تقصير هنا أو هناك سببه ظروف الحصار أو النشأة الفاسدة للمسؤول وكأنهم قد صمموا على إغلاق آذانهم عن سماع أي نقطة إيجابية في نظامهم الإسلامي !!

 

ولكي أكون واضحاً وصريحاً فإن هؤلاء الناس غالبيتهم العظمى مما يسمى بالتيار الإصلاحي وأيتام الشاه المقبور والبعض القليل من الطوبائيين الفوضويين ممن لا يمكن أن يُحسبوا على فكر أو جهة .

 

كما سمعت أيضاً عن إنتشار المخدرات المريب بين الشباب الإيراني ، فضلاً عن الزي المتهتك والمبتذل لشباب وشابات وحالات لا تعد من السفور والتبرج لدى الفتيات خصوصاً في طهران وشمالها .

 

كانت لهجة الكثير من هؤلاء من الخطورة كما شخّصتها بأنهم مستعدون للقيام بأي شيء في سبيل إسقاط النظام الإسلامي وقائده السيد الخامنئي .

 

لقد كنت أردد منذ الساعات الأولى لهذه الحرب بأن ما حصل هو خير عظيم . فهذه الحرب على إيران ورغم ما فيها من تضحيات عظيمة إلا أنها نفعت إيران أيّما إنتفاع ، ومن ذلك :

 

1/ أنها فضحت وكشفت العدد الهائل من الجواسيس وشبكاتهم التي عملت بصمت طوال العقدين الماضيين لمثل هذا اليوم .

فهذه الشبكات ما كان لها أن تُكشف وتُفتضح لولا أن حصل العدوان الصهيوني وقامت هذه الحرب .

فالموساد الصهيوني إستطاع أن يُجند المئات من الجواسيس مستغلاً أجواء الشحن العدائي ضد النظام الإسلامي في إيران ورموزه خصوصاً بين جيل الشباب والذي كانوا يحرصون على جعله جيلاً متمرداً وناقماً وجاهزاً للعمالة في شبكاتهم .

 

2/ النعمة الثانية هي نعمة إلتفاف الشعب الإيراني عموماً حول المرجع القائد السيد الخامنئي ونظام الجمهورية الإسلامية وتأييده تأييداً منقطع النظير إلى درجة تحطمت فيها أغلب مخططات الأعداء للفصل بين القائد والنظام الإسلامي من جهة وبين الشعب من جهة أخرى ، فترى الشعب يساند ويدعم أبطال الحرس الثوري ويتعامل معهم وكأنهم المنقذين وأمل إيران وعزتها وهي الحقيقة .

 

3/ إنكسار هيبة الكيان الصهيونية الكاذبة القائمة على سياسة الختل والغدر والكذب ، فما حصل في الكيان الصهيوني من خراب ورعب بفضل الصواريخ الحيدرية الإيرانية لم يحصل في الكيان منذ تأسيسه عام 1948م ، وهو أمر لم يستطع الكيان إخفاؤه رغم كل محاولاته في التكتيم والقمع الإعلامي . وهكذا فقد أصبح أي حديث عن قوة الكيان الصهيوني سبباً للسخرية والهزل على تناقض إدعاءاتهم .

 

4/ هذه الحرب العدوانية أفرغت قيمة أي حديث مستقبلي عن مفاوضات سياسية مع أمريكا وحلفائها خصوصاً بعد غدرهم وقصفهم المفاعلات النووية (رغم أن إيران أعلنت أن المفاعلات قد تم إفراغها إحترازياً قبل مدة) ، وبالتالي فإن حجة الغرب وضغطهم بحجة الملف النووي أصبح (سالباً بإنتفاء الموضوع) وحتى عندما تبدأ إيران بإعادة إعمار المفاعلات وتشغيلها فإن تهديد أعداء إيران بشن حرب أخرى لم يعد أمراً يسيراً بل أن عليهم التفكير ألف مرة ومرة قبل التورط بحرب مع إيران التي إستفادت من نقاط القوة والضعف في حرب (الوعد الصادق 3) .

 

5/ لم يشهد العالم الحديث منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية زعماء متعطشون للحرب والإبتزاز مثل الثنائي الماسوني (نتنياهو) و(ترامب) ، وكلاهما لم يعد لهما مستقبلاً سياسياً وخصوصاً نتنياهو الذي كان أقصى طموحاته هو إعلان شرق أوسط جديد وهي تسمية مُضللة تخفي مشروعه الحقيقي المتمثل بإعلان دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات . أما الآن فعليه أن يتدارك الزلازل السياسيّة الداخلية التي ستطيح به وبحكومته وربما يصل الحال إلى ملاحقته قانونياً من داخل وخارج الكيان .

أما ترامب فلا يقل وضعه حرجاً أيضاً من تزايد أعداءه داخل وخارج أمريكا .

 

6/ كشفت هذه الحرب للجمهورية الإسلامية الوزن الحقيقي لحلفائها الحقيقيين والصادقين وبالتالي أصبح من الضروري إعادة تقييمهم على مُستوى دول أو جماعات .

 

7/ إعادة الزخم والحيوية للشعارات الثورية والجهادية التي بدأت مع الثورة الإسلامية ، إذ أنها فقدت الكثير من بريقها بعد أن بقيت لسنين طويلة بعيدة عن التطبيق لأسباب وظروف دولية وقانونية وسياسية وغير ذلك ، ولكن وبعد هذه المعركة الخالدة عادت الحياة لهذه الشعارات والأفكار الثورية وحصلت لها حالة تحديث (Refresh) لتتحول إلى سبب كبير في رفع معنويات جبهة الحق وزيادة شجاعتهم وقوتهم .

 

8/ الساحة العراقية أصبحت مكشوفة لإيران بما تحتويه من مخاطر ضد الجمهورية الإسلامية من خلال إستغلال جوارها الملاصق والواسع لإيران في القيام بأعمال وأنشطة عسكرية وأمنية معادية خطيرة تستهدفها كما حصل في أربيل وغيرها .

ولذا أصبح من الضروري بعد الآن أن تضاعف الجمهورية الإسلامية جهودها في تأمين الخاصرة العراقية عبر إعادة تقييم المحسوبين عليها بأنهم (حلفاء) أو (أصدقاء) أو (أنصار) لأن فيهم الكثير الكثير قد إنقلبوا أعداءً ضدها من حيث يعلمون أو لا يعلمون ، ولا بد من الآن فصاعداً أن تعتمد على الصادقين المخلصين وليس المتملقين والفاشلين لأنهم أول من خذلهم ، وسيخذلهم مستقبلاً أكثر إذا إستمر دعمهم .

 

هذه المنافع وغيرها الكثير ستنكشف في قادم الأيام ينطبق عليها قوله تعالى (كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) .

ارسال التعليق