الاتفاق الأميركي الإيراني يعيد رسم المشهد الإقليمي

الاتفاق الأميركي الإيراني يعيد رسم المشهد الإقليمي

د. علي موسى الكناني

يشكل توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني محطة استراتيجية فارقة في مسار التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، إذ يتجاوز أثره حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران ليطال ملفات إقليمية معقدة، من الخليج والعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. 

 

فالعلاقة بين الطرفين كانت خلال العقود الماضية أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسارات الأزمات، ما يجعل أي تفاهم بينهما مؤشراً على مرحلة جديدة قد تعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة.

لبنان يُعد من أكثر الدول تأثراً بهذا الاتفاق، نظراً لموقعه الجغرافي الحساس وتشابك ملفاته الداخلية مع الصراعات الإقليمية. فالتفاهم بين واشنطن وطهران يعني أن قناتين أساسيتين من قنوات التأثير الإقليمي أصبحتا أكثر قدرة على إدارة الخلافات وتقليل احتمالات الانفجار الشامل، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية التي طالما كانت مسرحاً لتقاطع المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية.

الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تكن يوماً حدثاً محلياً معزولاً، بل جزءاً من شبكة حسابات إقليمية ودولية. 

وبعد الاتفاق، قد تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل احتمالات توسع النزاعات، إدراكاً منها أن أي حرب واسعة في لبنان ستؤثر على أسواق الطاقة والملاحة الدولية ومصالح الحلفاء. في المقابل، قد ترى إيران في الاتفاق فرصة لترسيخ الاستقرار النسبي الذي تحتاجه للاستفادة من المكاسب السياسية والاقتصادية، ما يجعلها أكثر ميلاً لاحتواء الأزمات بدلاً من توسيعها.

اما اسرائيل، فتنظر إلى الاتفاق من زاويتين: الأولى أنه قد يقلل من احتمالات المواجهة الإقليمية الواسعة، والثانية أنه يفرض عليها إعادة تقييم استراتيجيتها الأمنية. فالتفاهم بين واشنطن وطهران قد يغير البيئة السياسية المحيطة بها، ويدفعها إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية وتطوير استراتيجيات دفاعية جديدة تحسباً لأي متغيرات مستقبلية.

ولعل من أبرز النتائج المحتملة للاتفاق توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستقرار الداخلي في لبنان. إذ أن تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وطهران قد يقلل من الضغوط الإقليمية، ويمنح القوى اللبنانية مساحة أوسع لمعالجة الملفات الداخلية بعيداً عن الاستقطاب الخارجي. هذا المناخ قد يعزز فرص الحوار السياسي ويتيح إمكانية التوصل إلى تفاهمات حول إدارة الدولة والإصلاحات الاقتصادية.

الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها لبنان قد تجد متنفساً إذا ساعد الاتفاق في خفض مستوى المخاطر الإقليمية. ذلك قد يشجع على زيادة الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى تشجيع الدول المانحة على توسيع برامج الدعم الاقتصادي والإنساني.

ولا يقتصر الاتفاق على الأطراف المباشرة، بل يمتد أثره إلى المجتمع الدولي الذي ينظر إلى استقرار الشرق الأوسط كعامل أساسي في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. نجاح الاتفاق قد يشجع قوى دولية أخرى على الانخراط في جهود دبلوماسية لمعالجة الأزمات المزمنة، بما فيها النزاع اللبناني الإسرائيلي.

وبذلك فان عدة سيناريوهات قد تطرح نفسها، أبرزها سيناريو الاستقرار الذي يعكس نجاح الاتفاق في خلق مناخ إقليمي أكثر هدوءاً، ما يقلل احتمالات الحرب ويفتح المجال لتسويات سياسية تدريجية.

وسيناريو إدارة الأزمات الذي يعني استمرار الخلافات الأساسية مع الاكتفاء بإدارة الأزمات ومنع انفجارها دون حلول جذرية.

وسيناريو التعثر يتمثل بتعرض الاتفاق لعقبات تعيق تنفيذه، ما يعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد وعدم اليقين.

أخيرا يمكننا القول ان الاتفاق الأميركي الإيراني يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل المشهد الإقليمي على أسس أكثر استقراراً. وبالنسبة للبنان، فإن انعكاساته قد تمنحه فرصة للخروج من دائرة الصراعات المفتوحة والانتقال نحو مرحلة تركز على التنمية وإعادة بناء الدولة. غير أن نجاح هذه الفرصة يبقى رهناً بقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على تحويل التفاهمات إلى واقع عملي، وبقدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمار المناخ الجديد لبناء مستقبل أكثر استقراراً.

ارسال التعليق