السجال الفكري والسياسي مابعد حرب غزة -2-

السجال الفكري والسياسي مابعد حرب غزة -2-

ابراهيم العبادي

في نهاية مقال الاسبوع المنصرم ،ذكرت ان مرحلة فكرية -سياسية ستبدأ في منطقتنا ، وان السجال سيشتد انطلاقا من مفهومين مركزيين سيكونان محور الجدل والنقاش ،المفهومان هما مابعد العلمانية ومابعد الاسلاموية .

الدافع الاساس للحديث عن مابعد العلمانية هو الاقتناع بان مقولة العلمانية الصارمة التي تعادي الدين وتصر على اقصائه من الحياة الاجتماعية والسياسة،  واختزاله الى  علاقة فردية ايمانية بين الفرد وخالقه  ،بدأت تتراجع عمليا(عند نخب الفلاسفة والمثقفين )  في البيئة الغربية ،التي جسدت نموذج الاقصاء هذا  ، قبل البيئات الاخرى،اثبت الدين حضوره الاجتماعي والقيمي والاخلاقي وحاجة المجتمعات الى موجه لخيارات الافراد ومقوم للمواقف العامة ،عادت الاحزاب المحافظة التي تسمي نفسها (الديمقراطي المسيحي ،الاجتماعي المسيحي )أو باسماء اخرى تحمل القيم المحافظة ذات الصلة بالدين والتراث المسيحي تستقطب الجمهور ،بما يؤشر الى عودة اجتماعية (مازالت سطحية وليست ظاهرة )  واستجابة سياسية لتلقيح الفكر السياسي اليومي باخلاقيات وقيم نابعة من الموجهات الدينية ،  خصوصا مايتعلق بالعائلة وبالعلاقة مع الاخر الديني او الثقافي .

صحيح ان الغرب لم يشهد فصلا قاطعا مع الدين ، كما ذهبت الى ذلك اتجاهات متطرفة نادت باقصاء الدين وعلمنة الحياة بالكامل ، وفق منظورات مادية ،لكن اتجاهات مابعد الحداثة صارت تنادي عمليا بانهاء (تأليه العقل)  ومركزية العقل (احتكار المجال العام له ) والعلموية ، والعودة الى مايحقق ذوات المجتمعات ، ثقافيا وايمانيا عبر الدين والقيم الميتافيزيقية .

هذه العودة وان لم تكن بايقاع سريع وعميق  ،لكنها تجسد اعترافا باهمية الدين في المجال الاجتماعي العام ، وبنهاية مرحلة متطرفة كانت تعلن  (موت الاله)  ووضعية الدين ، وكونه اختراع بشري انتهت مرحلته .

مايترتب على ذلك ان الدين سيعود الى مجاله ووظائفه ، وانه لن يكون هامشا ،كما انه لن يتوسع ،  ليستولي على المجال السياسي والسلطوي بالشكل الذي  تريده الاتجاهات الاسلامية الحركية من دعاة الدولة الدينية .

في المجال العربي الاسلامي -وبعد حصاد التجارب العملية - ،تتجه القوى الاسلامية مضطرة الى مراجعة ادبياتها وافكارها المتعلقة بنموذج الدولة ، واسلوب الحكم وممارسة السلطة وبناء السياسات ، وكيفية ادارة العلاقة مع الاخر المحلي والدولي .

بعد تعذر واخفاق  تشييد نموذج الدولة الاسلامية مثل ماخطته افكار المفكرين والمنظرين الاسلاميين ،وتراجع الحركات الاسلامية عن حتمية اقامة هذه الدولة ، والاكتفاء بالمحركات والشعارات ذات الصبغةالدينية ،تتجه هذه الحركات الى التوافق التدريجي مع شروط ادارة المجتمعات وتنميتها،  والتقنين لها وفقا لمنظورات المصلحة العملية والمسايرة الاجتماعية ،لم يعد اقامة الدولة الاسلامية حلما زاهيا كما صاغته مخيلة طلائع الوعي الاسلامي في مرحلة سبقت عالم اليوم ،مجتمعات الالفية الثالثة ليست حريصة على النموذج الديني بوصفه حلا سحريا للمشكلات ،الناس تحتاج الدين اخلاقيا وقيميا ليملأ حياتها معاني سامية  ، وتحتاجه ليوجه حياتها نحو الفضيلة والحياة الروحية المفعمة بالايمان والحب والتسامح والسلام والتصالح مع الذات والاخر ،لا ليأخذ الناس الى مشاريع ومسالك لاتنتهي من الخصومات والحروب والتحريض والرؤية الاحادية،  وتمركز السلطة وفقدان الخيارات السياسية الاكثر ملائمة للمصلحة  ،المسلم المعاصر يريد عيشا كريما وحقوقا وحريات وتنمية وكرامة،  ومشاركة فعلية في السلطة ، وديمقراطية عملية يصنع فيها مستقبله ومستقبل اجياله،نموذج الدولة الدينية  ونموذج الحركات التي تتولد من افكارها يوشك ان يغادر،  تحت ضغط الواقع المعقد ، ونتيجة لعدم القدرة على التوائم مع مقتضيات وحتميات وثقل هذا الواقع حتى ان كان جاهليا ومشوبا بالكفر والظلم والاستكبار ، كما سمته بعض ادبيات الاسلاميين  . لقد انطلق نقاش جاد -في ايران مثلا- عن مساحة سلطة ولاية الفقيه وعمرها ودور الامة في الاختيار وتقرير السياسات، وماهي الاولويات التي تحظى بالتركيز ،الداخل ام مشروع الخارج  ،وسينطلق نقاش فعلي خارج ايران ،  عن مشروعية وجود قوى تحمل السلاح وتنادي بشعارات اسلامية الى جانب وجود الدولة ومؤسساتها وقوانينها ،  المشتقة من دستورها الذي توافقت عليه القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة مذهبيا وقوميا  ،ستبرز الاسئلة الاخطر (برزت عمليا )  عن شرعية حمل السلاح خارج اطر الدولة ،وما شرعية العمل وفق منظورات تتصادم مع مفهوم سيادة الدولة ، والدولة الوطنية وشرعية الانفراد بسياسات ومواقف تخالف السياسة العامة للدولة ،اذا انطلق هذا النقاش الضروري عمليا ومعرفيا وهادئا وهادفا  ،فان مايترتب عليه سيكون مهما ومصيريا ، ينهي حقبة من الالتباسات المفاهيمية،  ويعيد توطين الفكر ليتناسب مع مصالح كل دولة ومجتمع ، وليس فكرا امميا يتحرك مركزيا ، ولايراعي مصالح وظروف وخصوصيات المجتمعات وتعددياتها ، واختلاف منظورات مكوناتها لمصالحها .

ارسال التعليق