العباس بن علي(عليه السلام) و الإسلام السياسي..

العباس بن علي(عليه السلام) و الإسلام السياسي..

 

د. احسان الطائي

 

في مشهد تراجيدي (عقدي_سياسي) هو الأشد إنتكاسا في التاريخ الإسلامي، تبرز واقعة كربلاء لا بوصفها مأساة دموية فحسب، بل أنموذجا مكثّفا للصراع بين الإسلام الرسالي والإسلام السلطوي، بين من يرى في النص الإلهي سلطة روحية لهداية الأمة ونظم أمرها، ومن يرى في الاسلام كله وسيلة لبلوغ غاياته. بين من يُجسدون روح الرسالة ومن يختزلونها في سلطة وراثية. 

ومن أبرز الشخصيات التي سطعت في هذه المواجهة الكبرى، قمر بني هاشم العباس بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)،  

إذ لم يكن العباس مجرد أخ وفيّ، بل كان حامل لواء مشروع سياسي_رسالي في وجه الانحراف الأموي. تجلت في مواقفه أسمى معاني الولاء السياسي_العقدي، لا الولاء العاطفي أو القبلي.

لم تك مواقفه هذه خضوعا لعلاقة أسرية، بل هي مواقف عقائدية_رسالية تستدعي اصطفافا واعيا مع الحق ضد الباطل، وقول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر. الموقف الثابت على الرغم من كل المتغيرات سواء في صفين أو في كربلاء.!

فقد أُتيح له(ع) _حسب بعض الروايات_ أن يُؤمَّن له الأمان السياسي إن هو ترك أخاه، لكنه رفض بشكل قاطع، و صدح برفضه لشمر لع قائلا: "لَعَنَك الله، ولعن أمانك، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له؟!". فالمسألة ليست شخصية، بل هي معركة بين إسلام الثورة على الظلم، و إسلام التبرير للظلم أو بتعبير علمائنا اليوم صراع بين الاسلام المحمدي الأصيل و الإسلام الأمريكي، فتأمل في أوجه الشبه..!!

إن هذا الموقف العباسي العظيم هو موقف الإسلام السياسي المقاوم، لا الإسلام السلطوي. حيث يقدّم أبو الفضل نفسه أنموذجا للجندي الرسالي الذي يقف خلف القيادة الشرعية (المتمثلة بالإمام الحسين ع)، لا من أجل مكاسب دنيوية، بل دفاعا عن المبادئ. وما رفضه لشرب الماء، مع شدة عطشه إلا تجسيدا رمزيا في الإخلاص للفكرة أكثر من الجسد، و رفضا ضمنيا للعيش في ظل الظلم حتى لو أُتيحت له النجاة.

لقد كان العباس ع قائدا في مشروع الإمام الحسين(عليه السلام) إلاصلاحي_الثوري الذي أراد أن يحققه بإعادة الأمة إلى خط النبوة الرسالي لا خط الملك العضوض، فالعباس ع في وعيه وموقفه، كان أنموذجا للجندي الملتزم و القائد الحاذق و السياسي الواعي، الذي لا يُقاد بالعاطفة و لا يُخدع بالشعارات، بل يتحرك وفق بصيرة نافذة، عن الأمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنه قال: "كَانَ عَمُّنا العبَّاس بن عليٍّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان...".

إن كربلاء ليست مأساة تُبكى فحسب، بل أثرا خالدا ممتدا في عمق التاريخ ومتصلا إلى يوم القيامة، وقد كان العباس بن علي(عليه السلام) تجسيدًا للإسلام الرسالي الأصيل الذي يرى أن الوقوف مع الحق لا يُقاس بالمكاسب، بل بالدماء التي بذلت في سبيل كرامة الأمة. وهكذا يظل العباس رمزا خالدا للثابتين على المبادئ، ولو في آخر اللحظات:

"وَأَنا عَلى آثَرِك يا بنَ رَسُولِ الله، لا أبرَحُ حَتّى أَلحَقَ بك".

 

#كربلاء

#عاشوراء.

ارسال التعليق