المنبر الحسيني مسؤولية مجتمعية ورسالة

المنبر الحسيني مسؤولية مجتمعية ورسالة

المنبر الحسيني مسؤولية مجتمعية ورسالة – حسين الزيادي

 

على الرغم من الأحداث والظروف السياسية والاجتماعية القاسية التي مر بها الاسلام، بقيّ المنبر الحسيني بكل سلوكياته وممارساته عطاءً لا ينضب ومناراً متوقداً يتجدد على مَرِّ الازمان ، وظل محافظاً على اصالته واستقلاله بالرغم من محاولات  شراءه او تحريف مساره وبقيت جذوة المآتم الحسينية متوهجة في ضمير الأمة بوصفها ظاهرة فطرية اكثر منها حالة شعورية،  فهو بحق مدرسة ينهل منها المتلقي علوم التاريخ والأخلاق والتفسير والخطاب والشعر واللغة وغيرها ، ويسهم في تحقيق المثل العليا للتربية والتضحية والفداء والصبر وتجسيد الاسوة والقدوة وصقع الواقع بالأمثلة والادلة التي ابرزتها وجسدتها واقعة الطف الاليمة، وبقى المنبر العاشورائي وسيلة احياء للنفوس التواقة إلى الكرامة والحرّية، وخطاب يقض مضاجع الفاسدين والظالمين والمنحرفين ويستنهض الأمم عبر العصور، لأنه سر من اسرار النهضة الخالدة للأمام الحسين عليه السلام، وهو من أعظم المِنَح التي استفادتها الأمة الإسلامية من النهضة المباركة للأمام الحسين عليه السلام والذي كان ولايزال منبعاً يغترف منهُ الأحرار وشُعلة ما فتئت تتوهج مع تقادم الدُهور والازمان لتَنشُر ثقافة الاعتدال والوعي الإسلامي والثورة ضد الظلم الفساد والظلم والطغيان.

 

برنامج تنويري

 

يعدّ المنبر الحسيني برنامج تنويري ومن أهم القنوات الإعلامية  والتبليغية، والتوجيهية، والتعليمية، والتثقيفية، والترويجية، والنقدية، واكثرها تأثيراً على الواقع السياسي والاجتماعي والتربوي والسلوكي لما له من  هيبة كبيرة ومكانة عظيمة في النفوس مستمدة من هيبة ومكانة صاحبه عليه السلام ، وهو المنصَّة الجماهيرية التي تستقطب مختلف الشرائح والطبقات على اختلاف انتماءاتهم ومرجعياتهم وهي النافذة التي لاتقيدها قيود والتي تُناقَش من خلالها كل طرائق الإصلاح ومساراته وسلوكياته لان الإمام الحسين (ع) يشكل منعطفاً مهماً في تاريخ الإصلاح بل هو المصلح الاول بعد جده النبي الاكرم وهو القائل عليه السلام (وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)، وعندما نطالب ان يكون المنبر الحسيني اداة لمعالجة مشاكل المجتمع الاجتماعية والثقافية والسياسية فإننا في الوقت نفسه ندعو ان يبقى المنبر الحسيني حسينياً في هويته ومضمونه وسيرته واتجاهاته، ولا يصح انحرافه عن الأهداف التي بدأ منها وتأسس لأجلها، لكن المزاوجة بين البعد الوجداني والبعد العقلي والتوجيهي يكاد يكون امراً لا غنى عنه لاسيما في الاوقات التي تتعرض فيه الامة لتحديات خطيرة وغزو فكري وثقافي ممنهج ومتعمد ومشكلات اجتماعية لا اول لها ولا آخر بدأت تدب في كل مفاصل المجتمع، لذا فالمنبر الحسيني مطالب بمناقشة الشؤون السياسية الوطنية والاجتماعية بشكل موضوعي ومُنصِف وفق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المبدأ الذي خرج الأمام الحسين عليه السلام ساعياً مضحياً بالغالي والنفيس من أجله كما إن أحد السمات المطلوبة من المنبر الحسيني والخطابات الدينية بشكل عام هو العمق والجدية في الطرح والمعالجة وان لايزج نفسه في موضوع ما واشكالية معينة بدون ان يعطيها حقها من الادلة والحجج والمعالجة ،فالخطاب الديني عموما يحتاج لدقة في كل تفاصيله وابعاده واهدافه، لذلك لابد من ضبط محدداته ومواصفاته ولابد للمتصدي ان يركز على الثابت المشترك عبر لغة ونهج الاعتدال والوسطية والتسـامح وتمكين القـيم الإنسانية المشتركة ونبذ التطرف الفكري والسلوكي بكل ابعاده، فالخط الحسيني هو خط الاعتدال وثورته ثورة ضد التطرف والانحراف والكراهية، ومن جهة اخرى فالمنبر الحسيني مطالب ان يتعاطى مع واقعة كربلاء على اساس فكري يصدر الحسين عليه السلام للعالم فكراً وجهادا  وفلسفة وعطاءً ، وان لا يتعامل مع عاشوراء على أساس كونها مجرَّد حادثة تاريخية او معركة حصلت بين ظالمٍ ومظلوم او مأساة لم تشهد لها الانسانية مثيل.

 

الفن المنبري

 

يرتكز المنبر الحسيني على التحضير الكافي والبحث المنسق والطرح المتين فهو فن يزاوج بين ايصال الفكرة بسلاسة ووضوح واتقان وبين المأساة بكل ما تحمله من عاطفية وبكائية، لذا فدور الخطيب للمستمع اشبه بدور الطبيب للمريض، فالخطيب اليوم يتعامل مع جمهور متعلم ومثقف، غالبيته من الأجيال الصاعدة المتعلمة والمتواصلة مع مجتمعات مفتوحة على العالم، والتي لا تنقصها المعلومة، فضُعف ثقافة الخطيب من الأسباب الخطيرة التي تدعو الى تراجع الحالة التوعوية والثقافية للمجتمع ، لذا فان من مهام الخطيب الحسيني، أن يكون حذقاً وماهراً في ملامسة قضايا الناس والواقع، ومقاربتها عبر رؤية تصحيحية نقدية تنسجم مع الحاجات والتطلّعات الحالية، من خلال الربط الحيّ والفاعل لحركة الإمام الحسين (عليه السلام) في خطّ العدالة والحرّية ومواجهة الفساد وغير ذلك، وعليه ايضاً ان يمتلك خزيناً معرفياً ورصيداً ثقافيا متنوعاً في مجال التاريخ والجغرافية وعلم النفس والاجتماع والفلسفة وغيرها من العلوم ، فمتى ما احتاج لمعلومة ما  وضعها في موضعها المناسب كما ان عليه أن يكون معاصراً للأجواء الاجتماعية القائمة فتكون امثلته حية عايشها المستمع وواكبها المتلقي، وعليه ان يجعل من محاضرته نغمة حماسية مفعمة بالعواطف النبيلة، تعرف الاخر بالإسلام عموما وثورة الامام الحسين (عليه السلام) على وجهه التحديد ، ومن جهة اخرى على الخطيب ان يلحظ   البعد الثقافي والمعرفي للمتلقي، ومستوى الجمهور الذي بين يديه من ناحية أخرى، فلا يتصدى لما لا أهلية له فيه، وعليه ان يراعي المشتركات ما امكن لذلك سبيلاً معززاً بذلك الوحدة الاسلامية والوطنية، فلم يكن الحسين في يوم ما ملكاً لطائفة دون اخرى فهو عطاء للإسلام بكل طوائفه بل للإنسانية جمعاء لما تحمله رسالته من مبادئ وقيم سامية.

 

مشكلات الشباب

 

على خطباء المنبر الحسيني ان يدركوا ان هناك  قطاعاً متزايداً من الجيل الشبابي يعيش أجواءً من التخبط والفوضى والتطرف والانغماس في موجات الحياة الغربية وتيارات عاتية من التشكيك في اصول العقيدة وضرورات الدين وكثرة الفتن والشبهات، بل ان هناك من جرفته تيارات الالحاد والعلمانية ،  لذا فالساحة المنبرية مطالبة اكثر من أي وقت مضى بمناقشة هذه الافكار وفق الاسس الموضوعية والموعظة الحسنة، واللين في الخطاب والرفق في المناظرة وطرح المعتقدات الحقة طرحاً وافياً مدعوماً بالبراهين المقنعة، لتكون هذه الدعوة مصداقاً لقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)  (آل عمران: 104).

ارسال التعليق