المياه بين الندرة والوفرة
د. محمد بهجت ثامر
عرف العراق بوفرة مياهه منذ القدم حتى سمي بلاد ما بين النهرين اذ يخترق نهرا دجلة والفرات العراق من الشمال إلى الجنوب، وهذان النهران يمثلان هوية هذه الرقعة الجغرافية عبر التاريخ فهما الشريان الرئيس لأرض السواد وكان لهما الدور الأساس في نشأة أول المراكز الحضارية في العالم، على يد السومريين والأكديين والآشوريين والبابليين.
ورغم هذا التاريخ الحافل بالمياه عانى العراق من الإجهاد المائي بسبب التغيرات المناخية التي تسببت بضغوطات وتحديات بيئية كبيرة من جهة وزيادة عدد السكان من جهة أخرى اذ بلغ عدد السكان (46) مليون نسمة وفي الحقيقة لا يكفي أن نراقب الأرقام فقط وإنما ينبغي أن نقرأ ما وراءها فحجم السكان يزداد بشكل كبير وحسب معدل النمو من المتوقع ان يصبح عدد السكان في العراق (75) مليون نسمة عام 2040 الأمر الذي سيزيد وبشكل كبير من الضغط على الموارد المائية، وسيتعرض العراق لمستويات عالية من مؤشر الاجهاد المائي (Water Stress Index) والذي يقيس ندرة كمية المياه العذبة المتجددة المتوفرة لكل شخص سنوياً من إجمالي الموارد المائية المتاحة للسكان.
ووفقاً للمؤشر إذا كانت كمية المياه المتجددة في دولة ما أقل من (1700) متر مكعب للشخص الواحد في السنة فإن الدولة تعاني من الإجهاد المائي، اما اذا قلت عن (1000) متر مكعب للشخص الواحد فإنها تعاني من ندرة المياه، واذا قلت عن 500 متر مكعب تكون الدولة في ندرة المياه المطلقة، وعلى الرغم من أن السنة الحالية مطرية بعد خمس سنوات من الجفاف ساهمت بزيادة الخزين المائي الى (20) مليار متر مكعب، كما انعشت الاهوار عبق الحضارة العراقية وارتفاع مناسيب نهري دجلة والفرات، لكن هذه حالة طارئة مؤقتة، اذ نستنتج من تحليل السلاسل المناخية وجود سنة ماطرة بين خمس او ست سنوات جافة كما حدث في سنة 2019 والتي انعشت الخزين المائي الى (21) مليار متر مكعب ثم تبعتها خمس سنوات عجاف اسهمت بانخفاض الخزين المائي الى (4.6) مليار متر مكعب وهو الأدنى في تاريخ العراق، تسبب بوقف الخطة الزراعية الصيفية وهجرة السكان من الأهوار بعد انحسار المياه ونفوق الثروة الحيوانية فيها، كما انخفض منسوب نهر دجلة، اذ أظهرت الصور التي تناقلتها القنوات الفضائية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي في الصيف حجم التراجع المرعب لمنسوب النهر حيث شكلت هذه الصور ضغطاً شعبياً واعلامياً هائلاً على الحكومة الامر الذي عجل بتوقيع الآلية التنفيذية الخاصة لاتفاقية التعاون الإطارية بين العراق وتركيا في مجال المياه، والتي تعهدت تركيا من خلالها بإطلاق مليار متر مكعب من المياه لصالح العراق.
لذا نقول يجب ألا ينسينا الموسم المطري الحالي الإشكالية الحقيقية، التي تعيشها الموارد المائية فالانتعاش الحالي هو حالة طارئة مؤقتة حيث ستعود ازمة الشح بمجرد عودة سنوات الجفاف بسب غياب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد بسبب تراكم الفشل البنيوي وضعف الحوكمة المائية، الامر الذي يحتم علينا وضع خطة ممنهجة مدعومة باطار تشريعي وقانوني لمواجه التحديات البيئية التي فرضتها ندرة المياه بسبب التغيرات المناخية لغرض التصدي لهذه التحديات بجدية، إذا ما أردنا تحقيق تنمية الموارد المائية والتعافي من آثار التغيرات المناخية المستقبلية.
ارسال التعليق