بعد تحرير الموصل.. كيف تحول الانتصار إلى مشروع الدولة وبناء المستقبل
د. علي موسى الكناني
يمثل يوم تحرير الموصل واحدة من أبرز المحطات الوطنية في تاريخ العراق الحديث، إذ شكل نهاية لمرحلة بالغة التعقيد اتسمت بسيطرة التنظيمات الإرهابية على مساحات واسعة من البلاد، وبداية مرحلة جديدة ركزت على استعادة سلطة الدولة وإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار. ولا تقتصر أهمية هذه الذكرى على بعدها العسكري، بل تمتد إلى أبعاد سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، جعلت منها حدثا مفصليا في مسار الدولة العراقية.
جاء تحرير الموصل بعد معارك طويلة ومعقدة شاركت فيها القوات المسلحة العراقية بمختلف تشكيلاتها، مدعومة بجهود استخبارية وإسناد جوي، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي شهدها العراق منذ عام 2003. وأسهم هذا الإنجاز في إنهاء الوجود العسكري المنظم لتنظيم داعش داخل المدينة، واستعادة السيطرة على ثاني أكبر مدن البلاد، بما مثل تحولا استراتيجيا في معركة العراق ضد الإرهاب.
سياسيا، أعاد تحرير الموصل التأكيد على قدرة الدولة العراقية على استعادة سيادتها وفرض القانون على كامل أراضيها، كما عزز من حضور العراق على المستوى الإقليمي والدولي بوصفه شريكا فاعلا في مكافحة الإرهاب. وأسهم هذا الإنجاز في توسيع آفاق التعاون الأمني والاستخباري مع العديد من الدول، فضلا عن دعم جهود إعادة الإعمار واستقرار المناطق المحررة.
كما ساعد التحرير في إعادة توجيه أولويات الدولة من العمليات العسكرية الواسعة إلى برامج إعادة البناء والتنمية وإعادة النازحين، وهو ما مثل انتقالا تدريجيا من مرحلة الحرب إلى مرحلة تثبيت الاستقرار. ورغم التحديات التي رافقت هذه المرحلة، فإنها فتحت المجال أمام استعادة الخدمات العامة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وإحياء النشاط الاقتصادي في محافظة نينوى.
أما على الصعيد الأمني، فقد وفر تحرير الموصل فرصة لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية في المحافظات المحررة، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة العسكرية والاستخبارية لملاحقة الخلايا الإرهابية ومنع إعادة تشكلها. كما شهد العراق تطويرا ملحوظا في قدراته الاستخبارية واعتماد أساليب أكثر تطورا في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي انعكس على انخفاض مستوى العمليات الإرهابية مقارنة بالسنوات التي سبقت التحرير.
وفي الوقت ذاته، أبرزت التجربة أهمية العمل المشترك بين مختلف المؤسسات الأمنية، وأكدت أن مواجهة التهديدات المعاصرة لا تعتمد فقط على الحسم العسكري، بل تشمل أيضا تعزيز الأمن المجتمعي، ومعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الأفراد.
ولم تعد أهمية تحرير الموصل تقتصر على كونه إنجازا عسكريا، بل أصبح تجربة وطنية غنية بالدروس التي يمكن الاستفادة منها في بناء سياسات أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. فقد أظهرت الأحداث أن الحفاظ على أمن الدولة يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الجهد العسكري والاستخباري، والتنمية الاقتصادية، والإدارة الرشيدة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن أبرز الدروس التي أفرزتها التجربة أهمية الاستثمار المستمر في تطوير القدرات الأمنية والتقنيات الاستخبارية، وتحديث آليات حماية الحدود، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي تهديدات محتملة. كما برهنت التجربة على أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يتطلب بيئة مستقرة توفر الخدمات وفرص العمل وتدعم التنمية المحلية.
وفي الجانب السياسي، أكدت تجربة التحرير أهمية توحيد الخطاب الوطني وتغليب المصالح العليا للدولة، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ الشراكة بين مختلف المكونات. كما أن ترسيخ سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتطوير مؤسسات الدولة، تمثل عوامل رئيسية في تعزيز الاستقرار ومنع استغلال أي ثغرات قد تؤثر في الأمن الوطني.
وبعد سنوات من تحرير الموصل، يواجه العراق تحديات من نوع مختلف، تتمثل في ترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن الداخلي، ومكافحة الفساد، ودعم مسار التنمية والإصلاح. وإذا كان الانتصار على الإرهاب قد أثبت قدرة الدولة على حماية سيادتها ووحدة أراضيها، فإن المرحلة الحالية تتطلب استثمار ذلك الإنجاز في بناء دولة أكثر كفاءة واستقرارا، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وفي هذا الإطار، تكتسب الإجراءات الحكومية الرامية إلى ملاحقة شبكات الفساد، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير الأجهزة الأمنية، أهمية خاصة باعتبارها امتدادا لجهود حماية الدولة، فالأمن لا ينفصل عن الإدارة الرشيدة، كما أن الاستقرار لا يكتمل من دون مؤسسات قوية تتمتع بالكفاءة والشفافية وتحظى بثقة المجتمع.
كما أن استمرار التنسيق بين السلطات التنفيذية والقضائية، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الأمنية، يمثل أحد أهم عوامل الحفاظ على المكتسبات التي تحققت بعد التحرير، ويعزز قدرة العراق على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية في آن واحد.
وفي المحصلة، تبقى ذكرى تحرير الموصل مناسبة وطنية لاستذكار مرحلة حاسمة في تاريخ العراق، وللتأكيد على أن مواجهة الإرهاب كانت مسؤولية وطنية جسدت قدرة الدولة ومؤسساتها على تجاوز التحديات. كما تؤكد هذه الذكرى أن الانتصارات العسكرية تكتمل عندما تتحول إلى إنجازات تنموية وإصلاحية مستدامة، وأن بناء الإنسان، وتعزيز المواطنة، وترسيخ العدالة وسيادة القانون، تبقى الركائز الأساسية لحماية العراق من أي تهديدات مستقبلية، وصناعة مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا لجميع أبنائه.
ارسال التعليق