حين تتحرك الدولة ضد الفساد: قراءة قانونية وسياسية في دلالات ملاحقة استغلال المال العام
عادل عبد الحق
في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات راسخة، لا تُقاس قوة السلطة بعدد قراراتها ولا بحجم خطابها السياسي، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع لسلطان القانون دون تمييز، وعلى تحويل النصوص الدستورية والقانونية من مبادئ مكتوبة إلى وقائع عملية يشعر بها المواطن.
إن التوضيح الصادر عن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية بشأن إجراءات التحقيق المتعلقة بملف استغلال موارد الدولة يطرح جملة من الدلالات القانونية والسياسية المهمة التي تستحق التأمل، ليس بوصفها حدثاً قضائياً عابراً، بل بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة مكافحة الفساد كشعار إلى مرحلة المكافحة بوصفها ممارسة مؤسسية.
من الناحية القانونية، تكشف الوقائع المعلنة عن مبدأ جوهري في الدولة الدستورية يتمثل في أن الوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، وأن المال العام والموارد الحكومية مخصصة لتحقيق المنفعة العامة حصراً، لا لتغذية النفوذ السياسي أو تمويل المنافسة الانتخابية او غير ذلك. فحين تتحول أدوات الدولة إلى وسائل للدعاية أو تحقيق المكاسب الخاصة، فإن الخلل لا يصيب الإدارة العامة وحدها، بل يمتد إلى جوهر العدالة السياسية وتكافؤ الفرص بين المواطنين والمرشحين.
كما أن أهمية الإجراءات المعلنة لا تكمن فقط في ملاحقة الأفعال محل التحقيق، بل أيضاً في الرسالة المؤسسية التي تحملها: أن الحصانة البرلمانية ليست وسيلة للإفلات من المساءلة، وإنما ضمانة لاستقلال الوظيفة التشريعية ضمن الحدود التي يرسمها القانون. ولذلك فإن تفعيل الآليات القانونية الخاصة بطلب رفع الحصانة واتخاذ الإجراءات القضائية يمثل تطبيقاً عملياً لمبدأ خضوع الجميع للقانون.
و يُلاحظ ايضا سلامة الاجراءات المٌتبعة من الناحية القانونية المُستندة في جوهرها الى نصوص الدستور و القوانين النافذة، فما شهدته العاصمة بغداد فجر 28 حزيران 2026 من تنفيذ اوامر القضاء بالقبض على بعض اعضاء مجلس النواب يجد سنده القانوني في قانون مجلس النواب و تشكيلاته رقم 13 لسنة 2018 المعدل التي اجازت في المادة 7 - رابعا القاء القبض على النائب خارج مدة الفصل التشريعي اذا كان متهما بجناية و بموافقة رئيس مجلس النواب، و بنفس السياق نصت المادة 11 -3 من قانون العقوبات العراقي المعدل رقم 111 لسنة 1969 على جواز القاء القبض على النائب خارج مدة الفصل التشريعي اذا كان متهما بجناية و بموافقة رئيس مجلس النواب ، و على نفس الحذو حذا النظام الداخلي لمجلس النواب رقم 1 لسنة 2022 في المادة 20 -3 في جواز رفع الحصانة عن النائب خارج مدة الفصل التشريعي اذا كان متهما بجناية و بموافقة رئيس مجلس النواب.
و قد اوضح التوضيح الصادر عن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية انه ( بناءا على طلب المحكمة و مفاتحة مجلس النواب رُفعت الحصانة عن النواب المتهمين من قبل رئيس مجلس النواب العراقي الحالي) ما يؤكد سلامة الاجراءات و مطابقتها للقوانين ، و يٌعضد ذلك قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم 87 / اتحادية/ 2010 الذي يعتبر باتاً و ملزماً للسلطات كافة بموجب نصوص الدستور اقر بشكل واضح ان ( ان دستور جمهورية العراق لم يشكل في احكامه كافه هيئة تدعى "هيئة رئاسة مجلس النواب" و انما اورد في مواده وجود رئيس لمجلس النواب و نائب اول و نائب ثاني) و عليه فإن اي نظام داخلي للمجلس اوقانون ينبغي ان لا ينتقص من الصلاحيات الحصرية الممنوحة لرئيس مجلس النواب.
إن استقلال القضاء لا يُقاس بإصدار الأحكام فقط، بل بقدرته على فتح التحقيقات ومتابعتها وجمع الأدلة مهما كانت مكانة الأشخاص أو مواقعهم السياسية. وفي هذا الإطار، فإن التنسيق بين السلطة القضائية وهيئات النزاهة وجهات إنفاذ القانون، وما أُعلن عن وجود دعم مؤسساتي لتنفيذ الإجراءات القانونية، يعكس نموذجاً مطلوباً لتكامل السلطات في مكافحة الجريمة المنظمة والفساد الإداري والمالي، شرط الالتزام الدائم بضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، و هو ما لمسناه جليا من تصريحات السيد رئيس مجلس القضاء الاعلى في زيارته الاخيرة الى ايطاليا.
أما سياسياً، فإن أخطر ما ينتجه الفساد ليس ضياع الأموال فحسب، بل انهيار الثقة العامة. المواطن الذي يعتقد أن النفوذ يحسم النتائج أكثر من القانون يفقد إيمانه بالانتخابات، ويبتعد عن المشاركة، ويصبح أكثر ميلاً للعزوف أو اللامبالاة. لذلك فإن أي إجراءات قانونية جادة تجاه استغلال المال العام انتخابياً تمثل استثماراً مباشراً في إعادة بناء الثقة بالعملية السياسية.
إن الانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد وجود صناديق اقتراع، وإنما عندما يشعر الناخب أن التنافس يجري بين برامج لا بين شبكات نفوذ، وبين كفاءات لا بين مراكز قوة. وكل خطوة تُبعد الانتهازية السياسية عن المجال العام تفتح المجال أمام النخب الجادة والكفاءات الوطنية.
ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع الدولي لا يبني تقييمه للدول على حجم مواردها فقط، بل على مستوى نزاهة مؤسساتها وقدرتها على إنفاذ القانون. وعندما تظهر الدولة استعداداً للتحقيق في شبهات تمس أصحاب النفوذ، فإن ذلك يرسل إشارات إيجابية تتعلق بجاذبية الاستثمار، واحترام الحوكمة، وتحسين الصورة الدولية للعراق بوصفه دولة مؤسسات لا دولة استثناءات.
إن استعادة هيبة السلطة لا تتحقق بالتشدد الخطابي، وإنما عبر سيادة القانون، واستمرار الإجراءات على أساس الأدلة، وعدم الانتقائية في المساءلة. وحماية المال العام ليست مسألة مالية فقط؛ إنها حماية لحق المواطن في التنمية والخدمات والعدالة.
ويبقى المبدأ الأهم: أن مكافحة الفساد ليست معركة ضد أشخاص، بل دفاع عن فكرة الدولة نفسها. فكل دينار يُحمى من الهدر، وكل منصب يُعاد إلى وظيفته العامة، وكل إجراء قانوني يُطبَّق بعدالة، هو خطوة إضافية نحو عراق أكثر استقراراً وثقةً ومشروعية.
ولهذا فإن استمرار الجهود المؤسسية في هذا المسار، مع الالتزام الكامل بالضمانات القانونية وحقوق الدفاع وقرينة البراءة، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في إعادة الاعتبار لسلطة القانون وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع و يرسي ثقافة جديدة تقودها الحكومة الحالية بقيادتها الشابة التي ربما ستعيد الامل بالعملية السياسية و تعزز التفاف المواطنين حولها.
ارسال التعليق