دبلوماسية الدم والبارود
كتب رياض الفرطوسي
لم
يكن مستغرباً أن تنتهي الهدنة الهشة بين طهران وواشنطن برائحة البارود ودوي الانفجارات التي هزت المواقع الاستراتيجية، فالصراع بين الطرفين لم يغادر يوماً المربع الأول، وإنما كان يستريح المحاربون خلف سواتر الكلمات العائمة. المشهد الأخير، الذي توجته الغارات الأمريكية العنيفة وردود الفعل الغاضبة من البيت الأبيض، يثبت أن الاتفاقات التي تُبنى على النوايا دون ضمانات حقيقية هي مجرد حبر على ورق تذروه رياح أول أزمة ميدانية.
يرى البيت الأبيض، بعقليته البراغماتية الصارمة القادمة من عالم صفقات العقارات، أن الالتزام بالاتفاق هو معيار مطلق لا يقبل التجزئة، معتبراً الهجمات الأخيرة في مياه الخليج واستهداف القواعد العسكرية خروجاً كاملاً عن قواعد اللعبة. لكن هذه القراءة تسقط في فخ التبسيط؛ فهي تتجاهل الحسابات الإقليمية المعقدة وكيف ينظر الطرف الآخر إلى مفهوم الردع والدفاع عن النفس.
في المقابل، تقدم طهران نموذجاً مغايراً في إدارة الأزمات ا
لكبرى، يمزج ببراعة فائقة بين صرامة الخيار العسكري ومرونة العمل الدبلوماسي. بالنسبة للجانب الإيراني، لا يمكن فصل التفاهمات الثنائية عن المشهد الإقليمي المتفجر، وتحديداً التحركات الإسرائيلية المستمرة على الجبهة اللبنانية. ومن هنا، تصبح القوة العسكرية وسيلة موازية ومكملة للتفاوض، وليست بديلاً عنه؛ حيث تفرض طهران معادلة جديدة تؤكد فيها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي خرق للتهدئة الشاملة، حتى وإن تطلب ذلك دفع أثمان باهظة وتشييع الشهداء الذين يرتقون في هذه المواجهات باعتبارهم وقوداً لكرامة الموقف وثباته.
إن ما تصفه الدوائر الغربية بالانتهاكات، يراه العقل السياسي الإيراني دفاعاً مشروعاً ورسائل ردع ضرورية لإفهام واشنطن وحلفائها بأن الأمن كلٌّ لا يتجزأ. وبينما تصر إسرائيل على أنها غير معنية بأي اتفاق أمريكي-إيراني وتواصل تصعيدها، تجد طهران نفسها مضطرة لملء هذا الفراغ الميداني بالقوة، لإعادة صياغة شروط التفاوض من موقع القدرة لا من موقع الاستسلام.
في نهاية المطاف، يكشف هذا الانفجار العسكري أننا لسنا أمام انهيار لاتفاق نهائي، بل أمام جولة شرسة من جولات "عض الأصابع"؛ حيث تدرك طهران جيداً أن الطائرات الأمر
يكية مهما بلغت قوتها التدميرية لا يمكنها إلغاء الجغرافيا ولا تطويع الإرادة السياسية، وأن طاولة المفاوضات ستفتح أبوابها مجدداً، ولكن بشروط تفرضها دماء الشهداء وصمود الميدان.
ارسال التعليق