سلاماً قاهر الطغاة.. بالصبر وكظم الغيظ
عبدالزهرة البياتي. يُحيي العراقيون خاصة والمسلمون عامة هذه الأيام مناسبة دينية لها وقعها في النفوس وفرصة لاستنباط العبر والدروس،
تلك هي ذكرى استشهاد سابع الأئمة (الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب) «عليهم السلام»، والملقب بـ(الكاظم) التي تكتسب اهميتها ومعانيها ودلالاتها من الخط الرسالي والإيماني الذي تجسّد واضحاً في الرفض المطلق لطغاة عصره وعدم الركوع أو الخنوع لهم رغم قسوتهم وجبروتهم، حيث ظل كجبل صبر يثير الخوف في نفوس أقطاب السلطة الظالمة رغم أنه كان حبيساً في المطامير التي لا يتسلل إليها بصيص ضوء.
إن من يتصفّح مسيرة هذا الإمام،روحي له الفداء، وهو يقارع العتاة بصبر لا يلين وصوت مزلزل له رنين وشجاعة صُلبة لا تستكين، سوف يتوقف طويلاً أمام صورة ناصعة البياض وحقيقة ساطعة وهي إن مجابهة الظلم والباطل والقهر والعبودية واستلاب الحرية لا تتحقّق باجترار الكلمات الخجلى وإنما من خلال إيمان حقيقي راسخ بالله الواحد القهّار وبنهج رسالته السماوية السمحاء ،
القرآن الكريم. ومن هنا فإنه رغم مرور أكثر من عشرة قرون على استشهاده في العام (١٣٨) هجرية مسموماً في سجن (السندي بن شاهك) ببغداد في العصر العباسي إلا أن قصته ما زالت تتوهج وضوؤها يسطع ودلالاتها العظيمة تعيش فينا رغم تعاقب الأزمنة وتبدّل الأحول وتعاقب الأنظمة والحكومات..
تؤكد وقائع التاريخ بأن صبر (أسد بغداد) الإمام الكاظم(ع) لم يكن ظاهرة عابرة أو وسيلة لاستدرار العواطف أو شكلاً من أشكال الخنوع أو المهادنة بل طريق وخيار لا مفر منه لمجابهة المتجبرين والمتسلطين على رقاب الناس ممن توهموا أن إذلالهم للرعية سيضمن لهم الثبات والديمومة الى ما شاء الله من الزمن.
لكن فاتهم أن تلك الكراسي سرعان ما تهتز وقبضتهم الفولاذية تُصاب بالخدر وعروشهم زائلة لا مُحال إذا ما زأرت الأسود وأطلقت صرختها المزلزلة بوجوه أصنام السلطة الغاشمة ، المستبدة.. واستذكر هنا قول الإمام الكاظم(ع):(من أراد أن يكون اقوى الناس فليتوكل على الله) وهو القائل أيضاً:( المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زاد إيمانه زاد بلاؤه). وفي ذكرى الإستشهاد أقول : ما أحوجنا الى استخلاص الدروس والعبر من مسيرة العبد الصالح والإمام المقاوم، الصابر، المؤمن، الذي تواصل مع الله رغم عتمة السجن ورغم السلاسل وقيود الحديد التي تكبّله. وهو الإمام الذي أذهل سجّانيه وجعلهم يحارون في أمره ويتساءلون من أعماقهم أي قوة وأي إصرار هذا؟
سلاماً. سلاماً سجين المطامير .. سلاماً. سلاماً كاظم الغيظ وراهب أهل البيت (عليهم السلام).. وها هي الجموع الغفيرة تغذُّ السير صوب مرقدك المُهاب آتية من كل حدب وصوب لتنهل من معينك الثر وتتوضأ بمياه ينبوعك العذب المتدفق بالإيمان.. سلاماً.. سلاماً فقد انبلج النهار وأشرقت الشمس وذهبت العتمة وتوارى الطغاة الذين ظلموك مدحورين الى يوم الحشر العظيم.
* رئيس التحرير التنفيذي / عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق
ارسال التعليق