قراءة استراتيجية في التصعيد الأمريكي الإيراني.
غفار عفراوي .
منذ أكثر من أربعة عقود، تعيش منطقة الشرق الأوسط تحت سطوة التوترات المتكررة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، مما جعلها علاقة معقدة هي من أبرز محاور الصراع والتهدئة في الإقليم. واليوم، ومع تجدد التصعيد الكلامي والعسكري بين الطرفين، يتجدد السؤال: هل نحن على أعتاب حرب؟ أم أن ما يجري هو تكرار لفصول المسرحية السياسية التي تُدار بعناية شديدة لأغراض أعمق مما يبدو؟
كلنا نعلم أن إيران، ومنذ انتصار ثورتها عام 1979، أصبحت هدفًا دائمًا للخطاب الأمريكي المعادي. ومع كل إدارة أمريكية جديدة، كان هناك تصعيد لغوي، وعقوبات اقتصادية، أو يصل الأمر إلى تحشيد عسكري، وأحيانًا مناوشات عبر الوكلاء، لكن لم تُترجم هذه التهديدات يومًا إلى حرب مباشرة شاملة. لا في عهد ريغان، ولا بوش الأول ولا الثاني، ولا حتى ترامب الذي بلغ ذروة الاستفزاز باغتيال قاسم سليماني، دون أن يتبع ذلك دخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
في المقابل، تُجيد إيران اللعب على حافة الهاوية. وتتقن توزيع الرسائل الصاروخية عند الحاجة، كما حدث في قاعدة "عين الأسد"، دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي يمكن أن تدفع واشنطن نحو حرب شاملة. هذا التوازن الحذر والمثير بين الطرفين يؤشر إلى ما يمكن أن نطلق عليه بـ"التفاهمات غير المعلنة"، حيث لا ترغب أي من القوتين بخوض مواجهة مكلفة وغير مضمونة النتائج.
وعند النظر إلى الخارطة الأوسع، نجد أن مثل هذه التصعيدات غالبًا ما تخدم أهدافًا تكتيكية واضحة مثل تخويف دول الخليج.
خصوصا أن أغلب التصعيدات تتزامن مع لحظات حساسة في العلاقات الخليجية الأمريكية، وخاصة عند الحاجة لتمرير صفقات تسليح، أو تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. فكلما بدا أن واشنطن ستنسحب أو تقلّص وجودها، يعود شبح "الخطر الإيراني" ليتصدر العناوين، وكأنه صمّام أمان لبقاء النفوذ الأمريكي.
الامر الاخر هو ترسيخ حكومات النفوذ في العراق، على سبيل المثال، ما زالت حكومة العراق بحاجة مستمرة إلى تأييد معنوي خارجي يظهرها كطرف "ضروري" في مواجهة التصعيد الإقليمي. وبالتالي، فإن بعض التوترات تُوظَّف لترسيخ معادلات الحكم القائمة، ومنع أي تحولات مفاجئة في الشارع أو في مراكز القرار. إضافة إلى استعراض النفوذ وليس الحرب لان كلا الطرفين يستخدمان أوراق التهديد كورقة ضغط تفاوضية لا أكثر. فأمريكا لا تستطيع دخول حرب جديدة في الشرق الأوسط بعد تجربتها المريرة في أفغانستان والعراق، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الداخلي وضعف التماسك السياسي. وإيران، من جهتها، تدرك أنها تخوض معركة صبر استراتيجي، تعتمد فيها على النفَس الطويل، لا على الانفجار السريع.
وما يجب التنبه له هو أن معظم التغطيات الإعلامية للتصعيدات، سواء في الإعلام الغربي أو الإقليمي، تُبنى على الإثارة والخوف، متناسية عن عمد أن هذه ليست المرة الأولى التي تتصاعد فيها الأمور ثم تعود إلى حالة "اللاحرب واللاسلم". سقوط صواريخ، استهداف قواعد، إطلاق تهديدات متبادلة... كل هذه أدوات مدروسة تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية محددة، لا خطوات فعلية نحو الحرب.
إن من يقرأ المشهد بعيون غير مسحورة بالإعلام، يُدرك أن التصعيد بين أمريكا وإيران في هذه اللحظة لا يخرج عن كونه إعادة إنتاج لحالة استطيع تسميتها ب"الخوف المفيد". لا الطرف الأمريكي مستعد لحرب، ولا الطرف الإيراني يسعى لها. بل ما نشهده هو شكل من أشكال التفاوض بالنار، الذي يخدم في آنٍ واحد مصالح واشنطن الاستراتيجية، وطموحات طهران الإقليمية، ويضمن بقاء توازن هش يخدم مصالح متعددة.
ومن هنا، فإن الدعوات إلى التهدئة، أو التهويل بالانفجار، ليست سوى انعكاس لعدم فهم طبيعة اللعبة الكبرى، والتي تتطلب منا نحن كمتابعين ومحللين، أن نقرأ ما بين السطور، لا أن نردد ما يُقال على الشاشات.
غفار عقراوي
ارسال التعليق