قراءة نقدية لانخفاض سعر الصرف في العراق

قراءة نقدية لانخفاض سعر الصرف في العراق

 

ناجي الغزي/ باحث سياسي واقتصادي

 

يشهد سوق الصرف في العراق منذ الأسابيع الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، حيث انخفض مستوياته من 1490 ألف دينار إلى 1410ألف دينار للدولار الواحد، أي لكل 100 دولار 141ألف دينار.  وهو هبوط لافت يثير تساؤلات حول مدى دقة التحليلات الاقتصادية المتداولة في تفسير هذا الانخفاض، وما إذا كانت تعكس كل أبعاده، أم تُغفل عوامل جوهرية في المشهد النقدي والسياسي العراقي.

 

*أولاً: الإطار العام لفهم حركة سعر الصرف في العراق*

 

يُعزى انخفاض سعر صرف الدولار إلى جملة من العوامل الدولية والمحلية، إلا أن التحليل الاستراتيجي يقتضي التمييز بين العوامل الظرفية العابرة، والإجراءات الهيكلية الدائمة. فعوامل مثل المفاوضات الإقليمية بين امريكا وايران، وتغيّر السياسات النقدية المرتبطة بالتعاملات مع إيران وروسيا، إلى جانب تخفيف القيود الأميركية على بعض التحويلات، أسهمت مرحلياً في تحسّن عرض الدولار، لكنها لا تشكّل حلاً مستداماً لأزمة الصرف في العراق.

 

*ثانياً: العوامل الدولية: دور المفاوضات وتراجع الضغط على التعاملات مع إيران*.

 

برز دور المفاوضات الإيرانية-الأميركية (عبر قنوات في عمان) كمحرّك غير مباشر لانخفاض الدولار، خصوصاً مع تخفيف القيود على البنوك الإقليمية في تعاملاتها مع طهران. هذا الانفراج النسبي في بيئة العقوبات أدى إلى تحسين التداولات التجارية الإقليمية، وخلق تدفّقات جديدة للدولار، سواء من خلال التجارة أو رفع سقوف بطاقات الدفع خارج العراق.

 

وكذلك التحسّن الملحوظ في قيمة التومان الإيراني أمام الدولار – من نحو 11.5 مليون تومان إلى 9.4 مليون مقابل 100 دولار – انعكس على حجم الطلب على الدولار في السوق الموازي، نظراً لانخفاض تكلفة التبادل التجاري مع إيران، وتقليص حاجة بعض المتعاملين للجوء إلى السوق غير الرسمي.

 

*ثالثاً: الإجراءات المحلية للبنك المركزي العراقي*.

 

في موازاة التحولات الدولية، قام البنك المركزي العراقي بمجموعة قرارات استراتيجية كان لها أثر فعّال في خفض الضغط على السوق الموازي، أبرزها:

• *رفع سقوف استخدام البطاقات الخارجية بالدولار: *حيث جرى رفع الحد الأقصى للمواطن العادي إلى 5000 دولار شهرياً، والمتقاعد إلى 10,000 دولار، وأصحاب الشركات والخدمات إلى 20,000 و50,000 دولار على التوالي، ما وفر منفذاً رسمياً لتلبية احتياجات السوق وامتص الضغط عن السوق السوداء.

• *صرف مبالغ الحج بالدولار نقداً*: عبر تحويل ما يقارب 400,000 حاج بمعدل 2000 دولار لكل فرد، مما ضَخَّ سيولة دولارية كبيرة في السوق.

• *التأكيد على توفر احتياطي نقدي قوي*: عزز الثقة بالسيولة الدولارية لدى الجهاز المصرفي، ودفع المضاربين لتقليل اندفاعهم نحو شراء الدولار.

 

*رابعاً: العوامل المغفلة في التحليلات السائدة*.

 

رغم صحة أغلب التحليلات المتداولة، إلا أن هناك عوامل استراتيجية مُغفلة لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وأبرزها:

 

1. *غياب الحلول الجذرية لتسوية التجارة مع إيران*: ما زالت التجارة مع طهران تتم بطرق غير مباشرة، وتفتقر لمنصة تبادل شفافة ومُعترف بها دولياً. غياب هذه المنصة يجعل السوق الموازي هشاً أمام أي انتكاسة في أي مفاوضات أو تجدد العقوبات.

 

2. *ضعف البنية المصرفية العراقية*: حيث تفتقر معظم المصارف لمعايير

دولية رصينة، مثل معيار التقييم البنكي كملز CAMELS  وهو نظام نظام يحدد قياس المخاطر البنكية.

وكذلك معيار موديز الإتماني Moody’s  ، المعني بقياس الجدارة الائتمانية النسبية المستقبلية للأوراق المالية.

ومعيار فيتشFitch لتصنيف الصكوك، ما يجعلها غير قادرة على جذب ودائع أو تأسيس علاقات مع مصارف عالمية كبرى.

 

3. *استمرار هيمنة الاقتصاد النقدي*:  هناك 88 تريليون دينار خارج النظام المصرفي، من أصل 102 تريليون دينار مطبوعة، وهذا ما يضعف قدرة الدولة على التحكم بالسيولة النقدية ومعدلات التضخم. ويُعقّد من مهمة السياسة النقدية في التحكم بالكتلة النقدية وضبط التضخم وسعر الصرف. 

 

4. *غياب سياسة إقراض متوازنة واستراتيجية*: القروض تُمنح بالواسطة ودون معايير تنموية واضحة، ما يؤدي إلى ضعف النشاط الإنتاجي مقابل تغوّل النشاط الريعي والخدمي غير المستدام.

 

5. *الافتقار لاستثمارات مصرفية فعالة*: أغلب  البنوك تعتمد على أرباح التوطين والتحويلات بدلاً من الدخول في مشروعات استثمارية حقيقية تعزز الناتج المحلي وتحسن عرض العملة الصعبة.

 

*خامساً: الحاجة إلى إعادة تشكيل السياسات النقدية*.

 

  لضمان استقرار دائم في سعر الصرف، لا بد من تبني سياسة نقدية جديدة، مبنية على:

1. حل مستدام للتعاملات مع إيران:  أما عبر منصة ثلاثية كما حدث بين أذربيجان وتركيا وكازاخستان، وهذا الاجراء يسرع العلاقات التجارية بين هذه الدول. أو تبادل بعملات بديلة (ذهب، يوان، يورو).

2. إصلاح النظام المصرفي:  وذلك من خلال إعتماد معايير عالمية، ورفع كفاءة البنوك، وزيادة عددها وجودة خدماتها، والتنافس فيما بينها سعيا وراء زيادة حجم عملياتها، ارضاءاً لعملائها، وجذب عملاء جدد.

3. جذب الودائع: بإنشاء شركات حقيقية لضمان الودائع، وخلق حوافز تسويقية تزرع الثقة لدى المواطن.

4. تنظيم سياسة القروض:  بفصلها إلى قروض ربحية للشركات الكبيرة والاستثمارات، وقروض تنموية للوحدات السكنية والمشاريع الصناعية الضرورية، والقروض الصفريّة التي تُمنح لمشاريع الشباب والخريجين والطاقة النظيفة.

5. إلزام المصارف بالاستثمار الداخلي:  يجب ان تلتزم البنوك والمصارف بالاستثمارات الداخلية، مقابل لتوطين الرواتب ومنح الامتيازات، ضمن معيار جديد يخلق استدامة اقتصادية وتنمية صناعية، وذلك من خلال  بناء المصانع والاقتصاد الإنتاجي.

 

*السؤال المهم: هل نحن أمام استقرار أم انفراجة مؤقتة؟*

 

الانخفاض الحالي في سعر صرف الدولار لا يعكس بالضرورة تحسناً هيكلياً في الاقتصاد العراقي، بل هو نتيجة مزيج من الانفراجات المؤقتة، والإجراءات النقدية المستندة إلى تحولات خارجية هشّة. استمرار هذا الاتجاه مشروط بتقدم المفاوضات مع إيران وتثبيت سياسة نقدية داخلية أكثر استقلالية واستدامة.

بدون إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي، وإعادة هيكلة سياسات النقد والتجارة، ستبقى تحركات سعر الصرف عرضة للتقلبات، وسيظل المواطن العراقي أسير تقلبات لا يتحكم بها الداخل بقدر ما تتحكم بها ملفات إقليمية ودولية أكبر من أدواته النقدية الراهنة.

ارسال التعليق