كيف تموّل من يهدم بيتك

كيف تموّل من يهدم بيتك

حسام الحاج حسين.                         في السياسة هناك قاعدة قديمة تقول: لا تمنح خصمك سلاحًا. 

لكن يبدو أن بعض ساسة العراق قرروا تطوير القاعدة إلى نسخة أكثر “إبداعًا”: امنح خصمك السلاح، والذخيرة، واستوديو البث، ثم اجلس مساءً تشاهد نفسك وأنت تُقصف على الهواء مباشرة!

لقد نجح بعض الساسة الشيعة في تحقيق إنجاز نادر؛ فلم يكتفوا بصناعة الخصوم، بل تكفلوا بتمويلهم أيضًا. وكأن خزائن الدولة أو شبكة العلاقات الاقتصادية تحولت إلى برنامج لدعم المشاريع الصغيرة… شرط أن يكون المشروع مخصصًا لمهاجمة مموله.

ليس عيبًا أن ينتقد الإعلام القوى السياسية، فالنقد هو الأكسجين الذي تتنفسه الديمقراطية. لكن العجيب أن تجد بعض المنصات التي توسعت بفضل المال والنفوذ الصادرين من داخل البيئة الشيعية، قد تحولت إلى مصانع يومية لإنتاج السخرية من تلك البيئة نفسها، حتى يخيل للمشاهد أن الممول هو آخر من يعلم.

المفارقة تستحق أن تدخل موسوعة غرائب السياسة: سياسي يفتح الباب، ويدفع الفاتورة، ويشغل المولد، ثم يستغرب أن أول برنامج يُبث من الاستوديو مخصص للهجوم عليه وعلى جمهوره.

الأكثر إثارة أن بعض رؤساء الحكومات أغدقوا على شركاء اقتصاديين بالاستثمارات والامتيازات، فإذا ببعض تلك المنصات تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الشيعية نفسها. وكأن الأموال لم تكن استثمارًا في الإعلام، بل استثمارًا في زيادة الانقسام.وقد اتخذ الأعلام المعارض طريقاً أخر للربح وهو الأبتزاز .

ثم يأتيك المسؤول بوجه مليء بالدهشة، ويسأل: “من أين جاءت هذه الحملات؟” وكأنه لم يكن حاضرًا يوم وُقعت العقود، ولم يشاهد الأموال وهي تسلك طريقها إلى منابر أعلامية أصبحت أكثر حماسًا في مهاجمته من خصومه التقليديين.

المشكلة ليست في وجود إعلام معارض، فالإعلام الذي يصفق طوال الوقت لا يقل خطرًا عن الإعلام الذي يشتم طوال الوقت. المشكلة عندما يصبح التمويل بلا رؤية، والإنفاق بلا معايير، والإدارة بلا محاسبة، فيتحول المال السياسي إلى وقود لحريق يلتهم أصحابه أولًا.

وفي كل مرة يشتعل الجدل، تبدأ الأسطوانة المعتادة: مؤامرة… استهداف… حملات منظمة. بينما يغيب السؤال البسيط الذي يخشاه الجميع: من الذي موّل؟ ومن الذي سمح؟ ومن الذي استمر بالدفع رغم أن النتائج كانت أمامه كل يوم على الشاشة؟

لو كانت السخرية مشروعًا استثماريًا، لكان بعض السياسيين أكبر المستثمرين فيه، لأنهم موّلوا المادة الخام بأيديهم، ثم وقفوا يحتجون على المنتج النهائي.

ربما لا يحتاج البيت الشيعي اليوم إلى خطابات غاضبة بقدر ما يحتاج إلى مراجعة صريحة. فليس من الحكمة أن تستمر في تمويل منصة تهدم جدران بيتك، ثم تلوم الريح لأنها دخلت من النوافذ التي تركتها مفتوحة.

في النهاية، يبدو أن بعض الساسة أتقنوا فنًا سياسيًا جديدًا لا يعرفه العالم: أن تدفع ثمن الرصاصة… ثم تستغرب لماذا أصابتك .؟

ارسال التعليق