لماذا لا يخاف الفاسد
نرمين المفتي
طالما حيرني سؤال يبدو بسيطا لكنه يفتح أبوابا معقدة لفهم الواقع العراقي وهو لماذا لا يخاف الفاسدون من العقاب؟ ولماذا يستمرون في سلوك طريق الفساد رغم وضوح نتائجه، ورغم أن المجتمع يعرفهم ويعرف تاريخهم؟
في البداية يبدو الجواب مباشرا، لأن العقاب غائب أو ضعيف. لكن هذا التفسير، رغم صحته، لا يكفي وحده لفهم الظاهرة. فهناك دول كثيرة فيها ضعف في القانون، لكن الفساد فيها لا يصل إلى هذا المستوى من الجرأة أو الاستعراض.
في العراق، تتداخل عوامل عدة. ضعف المؤسسات، وتداخل السياسة بالدولة، ووجود شبكات نفوذ تحمي بعضها البعض، كلها تجعل فكرة المحاسبة أقل يقينا. وفي علم السلوك، ليست شدة العقوبة هي الأهم، بل يقين حدوثها. عندما يضعف هذا اليقين، يتراجع الخوف تدريجيا. لكن هناك جانبا أعمق من القانون والسياسة.
لماذا يجمع بعض الناس ثروات تفوق حاجتهم بمرات كثيرة؟ الإنسان لا يستطيع أن يأكل أكثر من قدر معين، ولا يعيش إلا في بيت واحد. ومع ذلك، يستمر البعض في التراكم بلا حدود.في هذه المرحلة، يتحول المال من وسيلة للعيش إلى رمز للقوة. يصبح وسيلة للنفوذ، وشراء الولاءات، وبناء الحماية، وتثبيت المكانة الاجتماعية. لم يعد السؤال “كم أحتاج، إنما كم أستطيع أن أسيطر؟”ومع الوقت، قد يتحول جمع الثروة إلى نوع من “العد الذاتي”، حيث يصبح الرقم بحد ذاته هدفا، لا ما يمثله من رفاهية.في بعض الحالات، خاصة في المجتمعات التي عاشت اضطرابات طويلة، يظهر دافع آخر وهو الخوف من المستقبل. فالتراكم المفرط للثروة يصبح محاولة لبناء حصن ضد عدم اليقين، حتى لو بدا هذا التراكم غير منطقي من الخارج.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن بعض الفاسدين لا يخفون ما يملكون. بل أحيانا يظهرونه بشكل واضح، قصور، مواكب، استثمارات، ومظاهر نفوذ. هنا يتحول المال إلى رسالة اجتماعية تقول “أنا محصن”.
كأن الفساد لا يكتفي بجمع المال، بل يحتاج إلى إعلان القدرة على الإفلات من المحاسبة. وهنا يظهر سؤال آخر لا يقل أهمية، لماذا لا يخجل الفاسد؟
في المجتمعات التقليدية، كان الخجل الاجتماعي رادعا قويا. كان الإنسان يخشى نظرة أهله وجيرانه، ويحسب حساب سمعته بين الناس. أما اليوم، فقد تراجعت هذه القوة تدريجيا أمام المال والنفوذ. فكلما زادت السلطة، قلّ عدد من يجرؤ على المواجهة أو حتى النقد.
ومع انتشار الفساد، يبدأ معيار المجتمع نفسه بالتغير. بدل سؤال “من أين لك هذا؟” يصبح السؤال أحيانا “كيف استطاع أن يحصل عليه؟”. وهكذا يتحول الفساد من عيب إلى واقع مألوف، ومن فضيحة إلى خبر يومي لا يثير الصدمة.
لكن الجزء الأخطر أن كثيرا من الفاسدين لا يرون أنفسهم فاسدين أصلا. فهم يبررون أفعالهم بطرق مختلفة، مثلا، الجميع يفعل ذلك، نحن نستحق، أو هذه حقوقنا الضائعة. ومع تكرار التبرير، يتراجع الإحساس بالذنب والخجل تدريجيا. وفي هذا السياق، لا يعود الفساد مجرد أفعال فردية، بل يصبح منظومة تعيد تشكيل القيم نفسها.
فالفساد في أقصى حالاته لا يقتصر على المال، وامتد إلى استخدام المناصب كأدوات للنفوذ، وتقديم التدين أو الشعارات الأخلاقية كغطاء اجتماعي، بل وقد يُستخدم الغطاء ذاته لتبرير العنف أو التستر عليه. عند هذه المرحلة، لا تعود المشكلة في الأفراد فقط، بل في تحول المعايير العامة لما هو صحيح وخاطئ.
والأخطر من كل ذلك أن هذه المنظومة قد تعمل في العلن، لا في الخفاء فقط، فتبدو جزءا من الواقع الإداري والسياسي والاجتماعي.لهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم، لماذا يسرق الفاسد؟ ولا، لماذا لا يخاف من العقاب؟ إنما كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها الخوف والخجل معا، ويصبح الفساد بالنسبة له نظام حياة لا استثناء فيه؟ حينها فقط يمكن فهم عمق الأزمة، ليس كحادثة فساد، بل كتحول في البنية الأخلاقية والاجتماعية نفسها.
وفي النهاية، يبقى الفساد، في أقصى صوره، ليس مجرد انحراف إداري أو مالي، إنما “أمّ الخبائث” التي تفتح الباب لكل ما بعدها من تزوير الحقيقة، إلى شرعنة الكذب، إلى تحويل التدين إلى قناع، وصولا إلى تبرير العنف أو التغطية عليه. وعندما تصبح الخبائث مترابطة بهذا الشكل، لا يعود الفساد حالة منفصلة، بل بيئة كاملة تعيد تشكيل معنى الدولة والمجتمع والضمير معا.
ارسال التعليق