ماذا يعني حصر السلاح بيد الدولة
كيان الأسدي تُعدّ عبارة (حصر السلاح بيد الدولة) من أكثر العناوين تداولًا في الخطاب السياسي، وهي جملة حمّالة أوجه، تُستَخدم أحيانًا كشعار إصلاحي، وأحيانًا أخرى كأداة للطعن بسلاح المقاومة واستهداف دوره ووظيفته.
كما أنها بندٌ ثابت يكاد لا يخلو منه برنامج أي رئيس وزراء يتسلّم إدارة البلاد، فضلًا عن كونها مطلبًا أميركيًا واضح المعالم، له مقاصده واتجاهاته ومآلاته.
غير أن التدقيق في هذا المطلب يكشف أن القصد الأميركي من (حصر السلاح) لا ينصرف، في حقيقته، إلى السلاح الفردي أو المتوسط الذي تمتلكه العشائر مثلًا، ولا إلى السلاح الذي تحوزه بعض الجماعات المتماهية مع المشروع العربي–الأميركي في المنطقة.
فهذه الأنواع من السلاح لم تكن يومًا موضع اعتراض حقيقي أو ضغط جاد، بل جرى التغاضي عنها في كثير من الأحيان.
إنما المقصود، بوضوح، هو سلاح الحشد الشعبي والفصائل المقاومة. وحتى في هذا الإطار، تمتلك الولايات المتحدة تصنيفاتها الخاصة للفصائل، فتحدّد من منها “خطِر” ويشكّل عائقًا أمام مشاريعها، ومن لا يمثّل تهديدًا فعليًا لمصالحها.
ومن المؤسف أن هذا المنطق الأميركي يجد له صدى داخل البلاد، ليس فقط في أوساط بعض القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية، بل حتى لدى قادة وزعماء أحزاب شيعية يتبنّون هذا الطرح بحذافيره، ويعيدون إنتاجه داخليًا؛ يروّجون له سرًا انسجامًا مع الرؤية الأميركية، ويرفعونه علنًا تحت شعار الحرص على الدولة وبناء مؤسساتها.
في المقابل، فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة ضمن إطار الحشد الشعبي والمقاومة يختلف جوهريًا عن الطرح الأميركي. فالحشد الشعبي، بحكم القانون والواقع، مؤسسة عسكرية رسمية منضوية ضمن مؤسسات الدولة، وسلاحه ليس منفصلًا عن سلاحها، بل هو جزء من منظومتها الدفاعية.
كما أن سلاح أغلب الفصائل المرتبطة بالحشد ليس سلاحًا خارجًا عن هذا الإطار العام، وإن اختلفت الصيغ التنظيمية أو الهياكل الإدارية.
ومع ذلك، فإن لهذا المطلب أي حصرية السلاح ما له وما عليه، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. فالمخاطر المحدقة بالعراق لا تزال قائمة، والاحتمال الوارد بأن تكون لإسرائيل نوايا مبيّتة لاستهدافه ليس أمرًا مستبعدًا، فضلًا عن أطماعها المعلنة وغير المعلنة في التمدد نحو الحدود العراقية عبر سوريا، ضمن ما يُعرف بمشروع “ممر داوود”.
وفي ظل هذه التهديدات، يصبح من غير المعقول، بل ومن المخالف للمنطق الاستراتيجي، أن يُجرَّد البلد من قوى قادرة على التحرّك بعيدًا عن قيود البيروقراطية السياسية وحسابات الدولة التقليدية، لتكون جاهزة للدفاع والتصدي وإجهاض مثل هذه المشاريع في مهدها.
نعم، قد يكون قصد بعض الداعين إلى حصر السلاح هو ضبطه وتنظيمه، بما يمنع تحوّله إلى عامل تهديد لاستقرار الدولة أو السلم الأهلي. غير أن التجارب السابقة أثبتت، بما لا يقبل الشك، أن سلاح المقاومة حتى في حال كونه خارج السلطة المباشرة للحشد الشعبي لم يكن يومًا مصدر تهديد داخلي، بل كان في معظم الأحيان سندًا للدولة ورافعةً لمواقفها، ومتبنّيًا لخياراتها في اللحظات المفصلية. ومعركة الإسناد الأخيرة خير شاهد على ذلك.
كما أن مسار التفاوض مع الجانب الأميركي، وما أفضى إليه من تحديد جدول زمني للانسحاب، يمثّل دليلًا إضافيًا على أن هذا السلاح لم يكن أداة فوضى أو خروج عن الدولة، بل كان، في جوهره، سلاحًا منضبطًا جعل من أولوياته حفظ هيبة الدولة وتعزيز قوتها التفاوضية، لا تقويضها أو إضعافها.
وعليه، فإن الإشكالية لا تكمن في الشعار بحد ذاته، بل في تفسيره وتوظيفه والجهة التي تحدد معناه وحدوده. فبين حصرٍ يستهدف تحصين الدولة، وحصرٍ يُراد به تجريدها من عناصر قوتها، مسافة واسعة لا بد من الوعي بها وعدم الوقوع في فخ الشعارات المجرّدة من سياقها السياسي والأمني.
ارسال التعليق