معركةٌ بلا حسمٍ في هرمز

معركةٌ بلا حسمٍ في هرمز

ناجي الغزي

في لحظات التوتر الكبرى، لا تُقاس الحروب بما يُطلق من نيران، بل بما يُعاد تعريفه من معادلات. وما جرى في مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة لا يمكن قراءته كحادثة بحرية عابرة، بل كاختبار مكثف لطبيعة القوة في النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد الهيمنة تعني القدرة على الحسم، بل القدرة على إدارة التعقيد دون الانزلاق إلى الانفجار.الرواية التي تصدرت المشهد الإعلامي حول مطاردة سفينة أمريكية، ونداءات تحذير إيرانية، وتغيير مفاجئ في مسار السفينة الأمريكية، قد تبدو في ظاهرها دليلاً على تفوق طرف على آخر. غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تكشف أن ما حدث هو تعبير عن نمط صراع جديد، لا يُحسم بالمواجهة المباشرة، بل بإعادة تشكيل بيئة القرار لدى الخصم.

 

 

الولايات المتحدة، بوصفها القوة البحرية الأكبر عالمياً، تدخل مضيق هرمز وهي محملة بتفوق تقني وعسكري واضح، لكنها في الوقت ذاته مقيدة بجغرافيا ضيقة، وكثافة تهديدات غير تقليدية، وحسابات سياسية واقتصادية تتجاوز الميدان. كل تحرك داخل المضيق لا يقاس فقط بقدرته العسكرية، بل بتداعياته المحتملة على أسواق الطاقة، واستقرار الحلفاء، واحتمالات التصعيد الإقليمي.

في المقابل، لا تسعى إيران إلى تحطيم هذا التفوق، بل إلى تفريغه من فعاليته. عبر تكتيكات غير متكافئة، كالزوارق السريعة، وصواريخ ساحلية، وطائرات مسيّرة؛ بهذا التكتيك تحاول طهران خلق بيئة عملياتية تجعل القرار العسكري الأمريكي أكثر كلفة من التراجع التكتيكي. إنها لا تواجه القوة، بل تعيد تعريف شروط استخدامها.

ضمن هذا السياق، يصبح تغيير المسار الذي وثقته الرواية الإيرانية حدثاً رمزياً أكثر منه ميدانياً. فسواء كان انسحاباً أو إعادة تموضع، فإن دلالته تكمن في إظهار أن التفوق العسكري لا يُترجم دائماً إلى حرية حركة مطلقة. القوة هنا تُمارس تحت سقف السياسة، وليس في فراغ العمليات.

ما نشهده في مضيق هرمز هو حالة جمود ردعي متحرك؛ لا الولايات المتحدة قادرة على فرض سيطرة كاملة دون كلفة استراتيجية باهظة، ولا إيران قادرة على إغلاق المضيق دون تعريض نفسها لعزلة وضربات واسعة. وبين هذين الحدين، تتشكل منطقة رمادية تُدار فيها الأزمة عبر الضغط المتبادل، لا عبر الحسم.

وتزداد تعقيدات هذا المشهد مع حضور العامل السياسي، حيث يواصل ترامب إطلاق تصريحات تحدد أطراً زمنية سريعة للحسم، في حين يكشف الواقع الميداني أن الصراع في الخليج محكوم بإيقاع مختلف، أكثر بطئاً وأكثر تعقيداً. فالحروب في هذه المنطقة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل بالتوازن بين الردع، والاقتصاد، وحسابات الحلفاء والخصوم.

وفي ظل هذا الوضع المضطرب، تجد دول الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين، نفسها في موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فهي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي تصعيد في المضيق سيضعها مباشرة ضمن دائرة التأثير. لذلك، فإن قلقها لا ينبع من سيناريوهات الانهيار، بل من هشاشة التوازن الذي يحكم أمنها.أما الصين، فتراقب المشهد من موقع المستفيد الحذر. فهي تدرس الأداء العسكري، وتستوعب دروس الصراع، لكنها لا ترغب في انفجار شامل قد يهدد تدفق الطاقة الذي يشكل عصب اقتصادها.في المحصلة، لا تعكس حادثة هرمز نهاية أسطورة أو بداية أخرى، بل تكشف عن تحول أعمق في مفهوم القوة ذاتها. لقد أصبح التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، عرضة للتقييد حين يواجه بيئة عملياتية معقدة وإرادة قادرة على استنزافه دون مواجهته مباشرة.

وهكذا تحول مضيق هرمز من مجرد ممر للطاقة إلى مختبر للنظام الدولي؛ مكان تُختبر فيه حدود القوة، وتُعاد صياغة قواعد الاشتباك، وتُدار فيه الأزمات على حافة التوازن. وفي هذا المختبر، لا يُكتب النصر النهائي، بل تُعاد كتابة معادلة الردع، مرة بعد أخرى.

ارسال التعليق