منطقة عازلة في الجنوبين السوري واللبناني
عبد المنعم علي عيسى
سواء جرى الإعلان عنها أم بقي مستترا فإن المنطقة العازلة، تلك الممتدة ما بين الجنوب اللبناني إلى جبل الشيخ ومنطقة حوض اليرموك بسوري، أضحت واقعا لا يمكن تجاهله ، بل إن العديد من مؤشراته ما زالت تتراكم الواحدة تلو الأخرى، فتدمير الأبنية في القرى والبلدات الواقعة في تينك المنطقتين بات نشاطا يوميا لقوات الاحتلال، جنبا إلى جنب إبادة الغطاء النباتي الذي يعيق “انكشاف الرؤيا” تماما، ناهيك عن حالات التهجير التي تتم غالبا بشكل فوري جراء الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال في المناطق التي تسيطر عليها، وأخطر ما في الأمر أن تلك التمددات لا تبدو نهائية ، والسيطرة على بضعة كيلومترات لم يحد من “ شهية” الإحتلال الذي يبدو متحفزا لتمددات أخرى، فالإعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف حتى في حمأة التفاوض اللبناني الإسرائيلي بواشنطن 14 - 23 نيسان الفائت، وفي تلك الحمأة كان بنيامين نتنياهو قد قال “أوعزت للجيش بالإستمرار في تعزيز المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وتوسيعها شرقا حتى جبل الشيخ”.ترمي اسرائيل بفعلتها تلك كل الإتفاقات الثنائية وراء ظهرها، بدءا من اتفاق “فك الإشتباك” الموقع مع دمشق عام 1974، ووصولا إلى الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 ليكون خط الفصل ما بين الحدود الفلسطينية واللبنانية، وترمي كذلك وراء الظهر أيضا حتى التفاهمات التي جرت حديثا مع لبنان، فقد ذكر نتنياهو أن “حرية العمل الممنوحة لجيشه بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين الوفدين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن ستبقى قائمة”، في محاولة لتسويق استهداف المناطق التي يشك الاحتلال بوجود مقاتلين من حزب الله فيها، حيث تضمن “حرية العمل” إياها اتخاذ التدابير التي “تراها اسرائيل ضرورية للدفاع عن النفس في مواجهة أية تهديدات وشيكة أو قائمة”، وفقا لما جاء على لسان نتنياهو أيضا، وبذا يصبح التمدد داخل الأراضي السورية واللبنانية أمرا ممكنا في كل لحظة وفقا للاعتبارات سابقة الذكر .اللافت في الأمر هو أن الإسرائيليين كانوا قد ذهبوا إلى توقيع “مذكرة تفاهم” مع اللبنانيين، وهي تتضمن الاتفاق على الخطوط العريضة لـ” المنطقة العازلة”، لكنهم لم يجدوا ضرورة، كما يبدو للقيام بفعل مماثل مع السوريين، وأيا يكن الأمر فإن ملامح تلك المنطقة يجري التأسيس لها بعيدا عن مذكرات التفاهم، ولا يكاد يخلو يوم من عمليات قضم للأراضي السورية وضمها إلى المناطق المسيطر عليها سابقا، ومن الواضح أن تل أبيب تكاد تكون موقنة بغياب أي رد فعل سوري قياسا للضعف الذي تعاني منه البلاد على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والعسكري، بل وتتعداها إلى حال من التفكك المجتمعي تكاد تكون غير مسبوقة ، وعليه فإن من الراجح هنا أن تستمر الضغوط ، العسكرية والسياسية الإسرائيلية على حكومتي دمشق وبيروت من أجل تكريس هذه المنطقة كأمر واقع بعيدا عن أي تفاهمات مكتوبة، والخطورة تكمن في إمكان تحول هذه الأخيرة إلى “مناطق ضم” يجري إلحاقها بالكيان تماما كما حصل مع مرتفعات الجولان السوري التي جرى احتلالها العام 1967 ، ولم تلبث أن جرى الإعلان عن ضمها العام 1981، وما يساعد تل أبيب في تسريع خططها هو غياب أي تنسيق سوري لبناني على هذا الصعيد، حيث من المؤكد أن حدوث فعل من هذا النوع كاف لتقوية موقف الطرفين الذي سيكون من الممكن لكل منهما أن يعتد بموقف الآخر .
وتبدو الخيارات المتاحة أمام كل من بيروت ودمشق كلها مرة، ففي الوقت الذي تمارس فيه تل أبيب الضغط العسكري نجد أن واشنطن معنية بتطبيق أقصى أنواع الضغط السياسي الذي يهدف إلى توقيع اتفاق ما بين كل منهما وبين تل أبيب، لكن الخيارات ليست كلها مسدودة، وفي حالات من هذا النوع يبقى خيار الانفتاح على الداخل هو أسلم الخيارات وأنجعها، والمهم الآن لكلا البلدين هو إعادة ترتيب البيت الداخلي المتبعثرة جدرانه ، الأمر الذي يفرض الحوار مع قوى مجتمعية وأهلية وازنة، حيث يتيح هذا الخيار إعطاء الجبهة الداخلية نوعا من التماسك الذي يمنح الفرصة في اجتراح حلول لا يتيحها الاختلال القائم في موازين القوى، من نوع اللجوء إلى المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وصولا إلى إمكان المطالبة بانعقاد مؤتمر دولي يكون الهدف منه هو الحشد لمواقف دول وقوى رافضة للممارسات الإسرائيلية، وفرض قرارات ملزمة لاسرائيل بالإنسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، كخيار يبدو هو الوحيد المتاح حاليا في ظل الظروف الراهنة.
ارسال التعليق