اعتقال قيادات بعثية في السليمانية.. محاولات فاشلة لإحياء خلايا الرفاق الميتة

اعتقال قيادات بعثية في السليمانية.. محاولات فاشلة لإحياء  خلايا الرفاق الميتة

منذ سقوط نظامه في عام 2003، بقي حزب البعث العربي الاشتراكي، المحظور دستورياً في العراق، حاضراً في الذاكرة الجماعية كرمز للديكتاتورية والقمع والحروب، ورغم الضربات المتلاحقة التي تلقاها تنظيمه السري، لا تزال الأجهزة الأمنية العراقية ترصد بين الحين والآخر محاولات لإعادة إحياء هذا الحزب المحظور.

وفي عملية أمنية نوعية، داهمت القوات العراقية اجتماعًا سريًا ضمّ قيادات بعثية في محافظة السليمانية، أسفر عن اعتقال عدد من المشاركين، فيما تمكن جمال مصطفى عبد الله السلطان، صهر الرئيس الأسبق صدام حسين، من الفرار قبيل المداهمة بلحظات.

صعود البعث وسقوطه

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في أربعينيات القرن الماضي على أساس مبادئ القومية العربية والاشتراكية، وبلغ ذروة نفوذه في العراق بعد استيلائه على السلطة عام 1968 بانقلاب عسكري قاده أحمد حسن البكر، ليتسلم صدام حسين زمام الحكم لاحقًا.

خلال عقود حكمه، خاض الحزب حروباً كارثية أبرزها الحرب مع إيران (1980–1988) وغزو الكويت عام 1990، الذي أدى إلى تدخل عسكري دولي تبعه حصار اقتصادي خانق استمر حتى عام 2003، عندما سقط النظام على يد القوات الأمريكية وحلفائها، وأُدرج الحزب في دستور 2005 كتنظيم محظور، بعد اتهامه بارتكاب جرائم إبادة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

تفاصيل العملية الأمنية

قال مصدر أمني إن "العملية استهدفت اجتماعاً مخططاً له منذ أسابيع، حضرته قيادات بارزة تسعى لإعادة بناء الهيكل التنظيمي للحزب في العراق".

وأوضح أن "المعلومات الاستخبارية الدقيقة مكّنت من تنفيذ المداهمة في التوقيت المثالي، مما أدى إلى إلقاء القبض على عدد من الأعضاء، بينهم مسؤولون سابقون في التنظيم العسكري والسياسي".

وتابع المصدر أن "جهاز الأمن الوطني، خلال الفترة السابقة، تمكن من اعتقال عدد من أعضاء حزب البعث المحظور في عدد من المحافظات منها بغداد وصلاح الدين وكركوك ومناطق أخرى، بمجاميع كانت ضمن خلايا تابعة للتنظيم". 

وبين المصدر أن "جمال مصطفى عبد الله السلطان، الضابط السابق في ديوان الرئاسة ومسؤول شؤون العشائر و زوج حلا صدام حسين، تمكن من الفرار، رغم إدراجه سابقاً ضمن قائمة الـ55 المطلوبة من قبل القوات الأمريكية، واعتقاله لعدة سنوات قبل الإفراج عنه".

أهداف البعث الجديدة

بحسب الخبراء، فإن ما تبقى من خلايا البعث لم تعد تملك القدرة على التأثير السياسي الواسع، لكنها تحاول استثمار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق لخلق بيئة حاضنة، خصوصاً في المناطق التي تشهد فراغاً أمنياً أو ضعفاً في الخدمات". 

ويرى الخبير السياسي شامل عمران في تصريح أن "عودة هذه الخلايا تعكس محاولات للاستثمار في حالة الإحباط الشعبي وغياب العدالة، لكنها محاولات يائسة في ظل رفض شعبي واسع وعمل أمني محترف".

وأضاف أن "الأجهزة الاستخبارية العراقية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تفكيك العديد من الشبكات المرتبطة بالبعث، وقد نُفذت جميع الاعتقالات بمذكرات قضائية. الدستور واضح في تجريم أي محاولة لإعادة هذا الحزب".

وأكد عمران أن "الجرائم التي ارتكبها البعث طالت كل مكونات الشعب العراقي، من الشيعة إلى السنة إلى الكورد، مروراً بالمقابر الجماعية وعمليات التهجير، لذلك من المستبعد تماماً أن يجد هذا الحزب أرضية للعودة".

لا مكان ولا عودة

من جهته، قال الخبير الأمني مازن الجبوري، إن "دور البعث كقوة منظمة وفاعلة انتهى منذ عام 2003، وما تبقى منه مجرد بقايا تنظيمية متناثرة تسعى للبقاء عبر شبكات محدودة الاتصال والدعم".

وأضاف، أن "الأجهزة الأمنية تتابع هذه المحاولات بدقة، وقد نجحت حتى الآن في منع أي تحول لهذه الخلايا إلى تهديد حقيقي. ولكن ما يقلق هو وجود أطراف خارجية أو أجندات قد تحاول استخدام هذه الورقة لأغراض سياسية أو إقليمية".

من جانبه، أشاد رجل الدين صدر الدين القبانجي، خلال خطبة الجمعة، بالعملية الأمنية قائلاً: "نشكر الأجهزة الأمنية التي استطاعت اعتقال مجموعة من قيادات البعث كانت مجتمعة في السليمانية، وكان معهم صهر المقبور صدام. هذه خطوة عظيمة تُحسب لقواتنا الأمنية". 

ويرى مراقبون أن هذه العملية قد تفتح الباب أمام سلسلة من الاعتقالات والملاحقات القانونية، خاصة بعد أن تم تحديد هويات عدد من المشاركين في الاجتماع السري. كما من المتوقع أن تعزز العملية من ثقة الشارع العراقي بالأجهزة الأمنية، رغم وجود مخاوف من عودة "الخطاب البعثي" بصيغ مختلفة.

يُحظر حزب البعث بموجب المادة السابعة من الدستور العراقي، التي تنص صراحة على تجريم أي نشاط أو ترويج أو تمويل له، وتعرض المخالفين للمساءلة القانونية.

ارسال التعليق