حماية المال العام تعزز ثقة المستثمرين.. الحكومة تبدأ عهدها بفتح ملفات الفساد

حماية المال العام تعزز ثقة المستثمرين.. الحكومة تبدأ عهدها بفتح ملفات الفساد

شكّلت أولى عمليات مكافحة الفساد في حكومة رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، محطة لافتة في مسار الإصلاح الإداري والمالي، بعد إحباط محاولة للاستيلاء على نحو تريليون ونصف التريليون دينار من مصرفي الرشيد والرافدين، في خطوة وصفت بأنها من أكبر عمليات التصدي للفساد المالي خلال الفترة الأخيرة.

 

وتحمل هذه العملية رسائل اطمئنان مهمة إلى المستثمرين المحليين والأجانب بشأن حماية الأموال والحقوق داخل المؤسسات المالية العراقية، بما يعزز فرص جذب استثمارات جديدة ويدعم مساعي انفتاح السوق العراقية على المشاريع الإقليمية والدولية، كما تسهم هذه الخطوة في تعزيز الثقة بالحكومة عبر إظهار وجود إرادة فعلية وأدوات رقابية قادرة على مواجهة الفساد داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يرسخ الانطباع ببدء مرحلة أكثر حزماً في ملاحقة ملفات الهدر والتلاعب بالمال العام.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير القانوني، حيدر الظالمي أن الإجراءات والخطوات العملية التي اتخذتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة، علي فالح الزيدي، في مجال مكافحة الفساد المالي والإداري تمثل مؤشراً واضحاً على وجود إرادة حقيقية لحماية المال العام وتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي في البلاد.

وقال الظالمي  إن "الاجتماعات واللقاءات التي عقدتها الحكومة، إلى جانب التصريحات الداعمة لعمل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، ترجمت إلى خطوات عملية تهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وغسل الأموال وتمويل الإرهاب"، لافتاً إلى أن "العديد من حالات الفساد المالي في بعض المؤسسات والمصارف ترتبط بعمليات غسل أموال قد تكون لها امتدادات داخل العراق وخارجه".

وأضاف أن "العراق يواجه تحديات اقتصادية ومالية نتيجة الظروف الإقليمية والدولية، فضلاً عن تأثير تراجع صادرات النفط الخام على موارد الدولة، الأمر الذي يتطلب تشديد الرقابة على المال العام وتعزيز أدوات مكافحة الفساد لضمان الحفاظ على الموارد المالية للدولة".

وأشار إلى أن "إحباط محاولة الاستيلاء على تريليون ونصف تريليون دينار يحمل رسائل مهمة إلى جميع مؤسسات الدولة، ويؤكد أن الحكومة ماضية بشكل جاد في دعم المؤسسات الرقابية وتمكينها من أداء مهامها في ملاحقة المتورطين بقضايا الفساد، وعدم التساهل مع أي جهة أو شخص يحاول استغلال النفوذ أو العلاقات أو الثغرات الإدارية للإضرار بالمال العام".

وأوضح الظالمي، أن "هذه الإجراءات تبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة ستتخذ جميع التدابير القانونية بحق كل من يثبت تورطه في التلاعب بالأموال العامة، سواء كانت له ارتباطات حكومية أو سياسية أو خارجية، مؤكداً أن حماية المال العام تمثل أولوية وطنية لا يمكن التهاون فيها"، مبيناً أن "هذه الخطوة لا تقتصر آثارها على الداخل العراقي فحسب، بل تنعكس إيجاباً على المستوى الدولي من خلال تعزيز ثقة المؤسسات المالية والرقابية الدولية بالإجراءات العراقية الخاصة بمكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما تسهم في تعزيز الشراكات الاقتصادية والمالية بين العراق والدول الأخرى".

وأكد أن "نجاح هذه الجهود يمثل بداية مهمة في مسار الإصلاح المالي والإداري، ويعطي مؤشراً إيجابياً على جدية الدولة في مواجهة الجرائم التي تهدد الاقتصاد الوطني وتؤثر في سمعة العراق المالية"، مشدداً على أن "استمرار دعم المؤسسات الرقابية والقضائية سيعزز من فرص الحد من الفساد وحماية المال العام وتحقيق التنمية الاقتصادية".

بدوره، أكد الخبير الاقتصادي، مصطفى أكرم حنتوش، أن الملفات التي كشفتها هيئة النزاهة بشأن صرف الشيكات المزورة والاستيلاء على العقارات تمثل خطوة مهمة في مكافحة الفساد وتعزيز الثقة بالإجراءات الحكومية.

وقال حنتوش  إن "ملف الأموال المودعة في المصارف الحكومية، ولا سيما مصرفي الرافدين والرشيد، ليس جديداً"، مشيراً إلى "وجود مبالغ كبيرة تعود لأشخاص متوفين أو مسافرين أو غير متابعين لحساباتهم منذ سنوات طويلة".

وأضاف أن "إجراءات تحويل هذه الأموال إلى الخزينة العامة قد تستغرق في بعض الحالات بين 10 و15 عاماً، ما يجعلها عرضة لمحاولات الاستيلاء عليها من خلال الحصول على البيانات الشخصية والتحايل على القوانين والأنظمة النافذة".

وأوضح أن "النظام المصرفي العراقي بحاجة إلى مزيد من التطوير واستمرار برامج الإصلاح"، مبيناً أن "الإجراءات التي اتخذتها هيئة النزاهة ستسهم في تعزيز الثقة بالحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي وتدعم جهودها في مكافحة الفساد".

وأشار إلى أن "التركيز على حماية الأموال العامة وسد الثغرات القانونية والإدارية التي قد تُستغل في عمليات الفساد سيمنع تكرار حالات مماثلة لما عرف بسرقة القرن”، لافتاً إلى أن "هناك أموالاً في مؤسسات وجهات مختلفة تحتاج إلى مزيد من الحماية القانونية والإجرائية".

وأكد حنتوش، أن "تشديد الرقابة والمتابعة على هذه الملفات، إلى جانب تطوير التشريعات والتعليمات الخاصة بحماية المال العام، سيعطي انطباعاً إيجابياً عن أداء الحكومة كما سينعكس إيجاباً على المؤشرات والتصنيفات الدولية المتعلقة بالحوكمة".

من جانبه، أكد الخبير في مكافحة الفساد، سعيد موسى، أن إحباط محاولة الاستيلاء على أكثر من تريليون و500 مليار دينار عراقي، يمثل نجاحاً مهماً للعمل الرقابي الاستباقي والتنسيق المشترك بين الجهات المعنية بحماية المال العام.

وقال موسى  إن "التعاون السريع والمسبق بين مصرفي الرافدين والرشيد وهيئة النزاهة ومحكمة التحقيق المختصة أسهم في اتخاذ إجراءات استباقية عاجلة حالت دون سرقة هذه الأموال والاستيلاء عليها"، مشيراً إلى أن "ذلك يعكس تطوراً في آليات الرقابة والمتابعة المالية".

وأضاف أن "هذه العملية تعد مؤشراً على وجود إرادة حقيقية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد ضمن البرنامج الحكومي"، مؤكداً أن "نجاح هذه الجهود يتطلب دعماً من مجلس النواب عبر تشريع القوانين ذات الصلة، فضلاً عن استمرار التعاون بين السلطة التنفيذية والأجهزة الرقابية والقضائية".

وأوضح أن "التطور في العمل الرقابي داخل المصارف الحكومية، ولا سيما مصرفي الرافدين والرشيد، عزز من قدرة المؤسسات المالية على مراقبة حركة الأموال وحماية أموال المودعين والأموال العامة، الأمر الذي يسهم في تعزيز ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي الحكومي".

وأشار إلى أن "سرعة استجابة القضاء واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة مكنت هيئة النزاهة من أداء دورها بكفاءة في كشف المحاولة واحباطها وضبط المتهمين"، مبيناً أن "التحقيقات لا تزال مستمرة للكشف عن جميع المتورطين، سواء من داخل المؤسسات المعنية أو من خارجها".

وأكد موسى "أهمية توفير الحماية القانونية للجهات الرقابية وتمكينها من أداء مهامها٠ داعياً إلى "تطوير أنظمة التدقيق والرقابة واعتماد المعايير الدولية في الرقابة المالية، بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة المال العام ومكافحة الفساد".

وشدد على "ضرورة تشريع قانون للمشتريات والعقود الحكومية وفق المعايير الدولية، بما يضمن الشفافية في الإعلان عن العقود وتأهيل الشركات والإشراف على تنفيذ المشاريع ومحاسبة المقصرين"، مبيناً أن "تعزيز النزاهة يتطلب تكامل الأدوار بين السلطة التنفيذية والأجهزة الرقابية والقضاء".

ولفت إلى "أهمية تحديث المنظومة التشريعية، ومنها إقرار قانون عقوبات جديد يواكب التحديات الحالية ويعزز قدرة القضاء على مكافحة الفساد وفرض سيادة القانون، إلى جانب دعم الإعلام وتشريع قانون حق الحصول على المعلومة وتعزيز الرقابة المجتمعية من خلال منظمات المجتمع المدني".

وأكد أن "القطاع الخاص شريك أساسي في جهود مكافحة الفساد من خلال الالتزام بمعايير النزاهة والشفافية وجودة الأداء، مع ضرورة توفير بيئة آمنة للشركات وحمايتها من الابتزاز والتأثيرات غير المشروعة"، منوها الى أن "تكامل هذه الجهود من شأنه أن يسهم في حسن إدارة الموارد العامة، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتحقيق إدارة مالية رشيدة، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ويعزز مكانة العراق الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي".

من جهته أكد الباحث القانوني، علي التميمي، أن قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015 يمثل تحولاً مهماً في السياسة الجنائية العراقية من مبدأ معاقبة الجريمة بعد وقوعها إلى مبدأ الوقاية منها والكشف المبكر عنها، مشيراً إلى أن إحباط محاولة الاستيلاء على مئات المليارات من الدنانير في مصرف الرافدين يعد نموذجاً عملياً لفاعلية المنظومة الرقابية الاستباقية.

وقال التميمي : إن "القانون ألزم المؤسسات المالية وغير المالية بمجموعة من الواجبات الرقابية التي تجعلها خط الدفاع الأول في مواجهة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفي مقدمتها تطبيق مبدأ (اعرف عميلك)، والتحقق من هوية المتعاملين ومصادر أموالهم، وحظر الحسابات مجهولة الهوية أو التي تستخدم أسماء مستعارة".

وأضاف أن "القانون أوجب الاحتفاظ بسجلات ووثائق العمليات المالية لمدة لا تقل عن خمس سنوات، بما يتيح للجهات المختصة تتبع حركة الأموال والتحقيق في مصادرها عند الحاجة، فضلاً عن إلزام المؤسسات بالإبلاغ الفوري عن العمليات المشبوهة إلى مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي العراقي".

وأوضح أن "التشريع ألزم المؤسسات المالية أيضاً بالإبلاغ عن العمليات النقدية الكبيرة وفق الضوابط المحددة، وتعيين ضباط امتثال للإشراف على تطبيق إجراءات مكافحة غسل الأموال، إلى جانب اعتماد سياسات داخلية لتقييم المخاطر وتعزيز الرقابة على العملاء والعمليات ذات المخاطر المرتفعة".

وأشار التميمي إلى أن "القانون تضمن عقوبات مشددة بحق مرتكبي جرائم غسل الأموال، تصل إلى السجن لمدة تتراوح بين سبع وخمس عشرة سنة، فضلاً عن الغرامات المالية التي قد تصل إلى ثلاثة أمثال الأموال محل الجريمة، إضافة إلى مصادرة الأموال والعائدات المتحصلة منها لصالح الخزينة العامة".

وبيّن أن "القانون عاقب كذلك الجهات أو الأشخاص الذين يمتنعون عن الإبلاغ عن العمليات المشبوهة أو يقومون بإشعار العملاء بوجود بلاغات ضدهم، كما فرض مسؤولية قانونية على الأشخاص المعنويين والمؤسسات المتورطة من خلال الغرامات المالية وإمكانية اتخاذ إجراءات إدارية بحقها".

ولفت إلى أن "القانون حقق نتائج إيجابية مهمة، من أبرزها توسيع دائرة الرقابة لتشمل القطاع المالي والمؤسسات ذات الصلة، والإسهام في تعزيز ثقة المجتمع الدولي بالنظام المصرفي العراقي، فضلاً عن دعمه لجهود العراق في الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب".

وأكد أن "تعزيز فاعلية القانون يتطلب تطوير قدرات الكوادر المختصة، وتحسين جودة البلاغات المالية، وتوسيع نطاق الرقابة على القطاعات غير المالية، إلى جانب تسريع إجراءات التقاضي واسترداد الأموال، بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني والمال العام من الجرائم المالية المنظمة".

وختم التميمي بالقول: إن "التجارب الأخيرة في إحباط محاولات الاستيلاء على الأموال العامة تؤكد أهمية بناء منظومة رقابية متكاملة تعتمد على الوقاية والكشف المبكر، بما يعزز الثقة بالقطاع المالي العراقي ويحمي الموارد الوطنية من مخاطر الفساد والجريمة".

ارسال التعليق