جرح لا يندمل.. عائلة شهيد سبايكر أحمد الزيرجاوي تروي تفاصيل مكالمته الأخيرة
"بوية ابريني الذمة، هل يمكنك تمرير الهاتف لوالدتي؟ سيقتلوني، أعتذر إن بدر مني تصرف يوماً ما، سامحوني".. كانت هذه الكلمات الأخيرة للشهيد أحمد الزيرجاوي، التي تحدث بها مع والده عبر هاتف مجهول المصدر، قبل أن يغلق القتلة الهاتف معلنين نهاية حياته، لتنطوي روحه مع 1700 شاب آخرين استشهدوا في مجزرة سبايكر عام 2014.
ورغم مرور 12 عاماً على الجريمة التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية، لا يزال الحزن والوجع محفورين في قلب والده كامل الزيرجاوي، الذي فتح خلجات قلبه المثخن بالألم قائلاً: "مرت 12 سنة منذ استشهاد ولدي وما زلت أفتش عن رفاته، لا سيما بعدما ظهر في فيديو اعترافات المجرمين الذين نفذوا هذه الجريمة، وكان حينها يطالبهم بالتريث بقتله كونه صغيراً في السن ولكن دون جدوى".
وأضاف الزيرجاوي: "ملامح وجهه في الفيديو تكشف أنه أدرك حينها أن هؤلاء القتلة لا رحمة في قلوبهم، كانت لحظة صعبة عشتها أنا وأسرتي ونحن نشاهد الإرهابي يوجه المسدس نحو رأس ولدي ويطلق النار عليه ثم يرميه في نهر دجلة، وكأننا نعيش كابوساً خاطفاً انغرس منذ تلك اللحظة في مخيلتنا".
وتابع الوالد مستذكراً حياة نجله: "كان ولدي أحمد شاباً طيباً تحمل المسؤولية منذ كان طفلاً، ولم يتردد يوماً في إعانة العائلة والتفكير في توفير متطلبات الحياة، خصوصا منزلاً يستقرون به، التحق بالمؤسسة العسكرية ضمن صنوف الجيش العراقي بقاطع عمليات صلاح الدين، وبعد شهرين من انخراطه بالجيش وإتمام إجازته الشهرية، التحق بوحدته في 8 حزيران 2014، وكانت المرة الأخيرة التي نراه بها".
وأوضح أنه "ما إن وصل أحمد إلى المعسكر حتى تعرض قاطعهم إلى هجوم مفاجئ استمر يومين، ما اضطر مسؤولي القاطع للانتقال إلى قاعدة سبايكر، ومنذ تلك اللحظة انقطع الاتصال به"، مشيراً إلى أنه "بعد طول انتظار، تلقى اتصالاً من رقم غير معروف، وإذا به أحمد يتحدث من هاتف أحد أصدقائه ويقول: (أبي هذا هاتف صديقي، نحن نسير في طريق مجهول أنا وعشرات الجنود لا نعرف أي اتجاه يوصلنا إلى بر الأمان ونحاول الوصول إلى أي محطة للمواصلات)".
وزاد بالقول: "حاولنا مراراً وتكراراً معاودة الاتصال بالرقم لكن دون جدوى إذ كان مغلقاً، وبعد مرور 24 ساعة اتصل رقم غريب، وصوت مشبع بالدماء يقول: هل أنت والد أحمد؟ خذ تحدث مع ابنك لأنها ستكون المكالمة الأخيرة، لتكون تلك كلماته الأخيرة (بوية ابريني الذمة وبوس إيد أمي ولا تخليها تنقهر مع السلامة)، ثم انقطع الاتصال وانقطع معه آخر خيط أمل".
ولفت الوالد إلى أنه "بدأ رحلة شاقة من العذاب والحزن بحثاً عن معلومة، حتى ظهر أحمد بعد عدة شهور في فيديو اعترافات الإرهابيين، وبات يقيناً أنه سقط شهيداً مغدوراً به".
من جانبها، تحدثت فاطمة، شقيقة الشهيد أحمد، قائلة: "رحل أحمد شاباً في مقتبل العمر وكانت له أحلام كثيرة، وبعد سنوات على رحيله لا نزال ننتظر اتصالاً يؤكد العثور على رفاته لنبني له قبراً يكون شاهداً على حكايته".
واستذكرت فاطمة تفاصيل التحاقه قائلة: "كنت أرى في عينه سعادة كبيرة كونه استقر على عمل في خدمة الوطن بالمؤسسة العسكرية"، مبينة أن "مشاهدة الفيديو تسببت لها بصدمة نفسية عميقة وأصيب جسدها بنوع من البهاق ومرض السكري والتهابات في الغدد، كما أصيبت والدتها بجلطة دماغية، وشقيقها الآخر بتنخر في عظام الحوض، وتحول المنزل إلى مجلس عزاء يومي لا ينقطع منه النحيب والبكاء".
وذكرت أن "العائلة لم تتمكن لسنوات من زيارة موقع القصر الرئاسي في صلاح الدين حيث تمت المجزرة؛ لعدم قدرتها على مشاهدة مكان الإبادة الجماعية"، مشيرة إلى أنها "لا تزال تنشر عنه في مواقع التواصل الاجتماعي".
وتابعت فاطمة: "تصلني وبشكل دوري رسائل من حسابات ابتزاز تدعي أن أحمد ما زال حياً ويقبع في أحد السجون السورية، وتطلب أموالاً مقابل إخراجه، حتى إن والدي أراد في وقت ما تصديق الوهم وسماع صوته، لكنهم رفضوا دون إرسال المال"، مؤكدة، "كنا نفتش عن وهم ونحن ندرك أن أحمد استشهد بعد أن رأيناه بأعيننا يُرمى في النهر بدماء تنهمر من رأسه ويغرق، لكن ما زالت هنالك قطرة أمل غرقت في أعماق قلوبنا".
ارسال التعليق