أجسامٌ فضائيَّةٌ وأزماتٌ أرضيَّة

أجسامٌ فضائيَّةٌ وأزماتٌ أرضيَّة

نرمين المفتي 

في الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وتتحول فيها أسعار المعيشة والتضخم إلى عبء يومي يضغط على تفاصيل الحياة، يظهر على السطح ملف يبدو للوهلة الأولى بعيدا تماما عن هذا الواقع وهو ملف )الأجسام الطائرة غير المعرّفة – (UAP البنتاغون (وزارة الحرب الأمريكية) ترفع السرية عن وثائق قديمة، الكونغرس يعقد جلسات استماع، والإعلام يعيد تدوير مقاطع وشهادات طيارين عسكريين. وبينما يُقدم هذا الحراك بوصفه انفتاحا على “مجهول علمي”، يظل السؤال الأعمق معلقا: لماذا يشتعل هذا الملف الآن بهذا الشكل، وفي هذه اللحظة تحديدا؟.

 

لا يبدو أن هناك ما يشير إلى خطة محكمة لصرف الانتباه عن الاقتصاد أو السياسة، لكن ما يحدث أقرب إلى تزامن كثيف بين ثلاث قوى تتقاطع دون تنسيق مباشر وهي الدولة، الإعلام، الجمهور. 

الدولة، عبر مؤسساتها الأمنية والعسكرية، بدأت منذ سنوات إعادة تصنيف هذا النوع من الملفات تحت مسميات أكثر حيادا مثل “الظواهر الجوية غير المفسرة”، تحت ضغط رقابي وتشريعي متزايد. والإعلام، بطبيعته، يجد في الغموض مادة مثالية في لحظات التشبع الإخباري، حيث تتكرر العناوين التقليدية حول التضخم والانتخابات والصراعات الدولية. أما الجمهور، المثقل أصلا بإيقاع الأخبار الثقيلة، فيميل بشكل طبيعي إلى القصص التي تكسر هذا الإيقاع وتمنحه مساحة مؤقتة من الدهشة أو الهروب الذهني.

لكن هذه الديناميكية لا تقف عند حدود الولايات المتحدة. في الشرق الأوسط، حيث لا تحتاج الأخبار إلى الكثير من “الغموض” لتكون مثقلة أصلا، تتشكل صورة مختلفة من الظاهرة نفسها. الواقع هناك مشبع بالأزمات المتتابعة، صراعات مفتوحة أو كامنة، أزمات اقتصادية متكررة، وتحولات سياسية سريعة. ومع ذلك، فإن هذا التشبع لا يلغي آلية مشابهة، بل يعيد إنتاجها بطريقة أخرى. فبدل الأجسام الطائرة والملفات السرية، تظهر طبقات من السرد الإعلامي السريع الذي يحول الأحداث المعقدة إلى عناوين مكثفة، أو تسريبات سياسية تُقرأ خارج سياقها، أو تحليلات مفرطة في التفسير لمحاولات فهم واقع شديد التعقيد أصلا.

الإعلام في هذا السياق لا يعمل كناقل محايد للأحداث بقدر ما يعمل كآلية لإعادة ترتيبها. فاختيار ما يبرز في الصفحة الأولى، وما يؤجل، وما يعاد تدويره، ليس مجرد قرار مهني بل جزء من هندسة الانتباه العام. في الولايات المتحدة، تتحول ملفات مثل الأجسام الطائرة إلى مادة مثالية لأن الإعلام يستطيع تحويلها إلى سردية مفتوحة بلا نهاية، بينما في الشرق الأوسط يتعامل الإعلام مع واقع مكتظ أصلا، فيعيد تكثيفه أكثر عبر العناوين السريعة والتغطية اللحظية. وفي الحالتين، لا يقدم الواقع كما هو، بل كما يمكن أن يُستهلك، وهنا تحديدا تتحدد حدود الفهم الجماعي للعالم.

في الحالتين، سواء في واشنطن أو في المنطقة، لا يبدو أن المسألة تتعلق بحدث واحد يزاحم آخر، بل بطريقة أعمق في توزيع الانتباه داخل عالم متخم بالمعلومات. في الولايات المتحدة، يأخذ هذا التوزيع شكل الغموض العلمي الذي يطفو كلما خفتت حرارة السياسة اليومية أو ثقل الاقتصاد. وفي الشرق الأوسط، يأخذ شكلا آخر، حيث لا يهدأ إيقاع الأحداث بما يكفي لتشكيل مسافة تسمح بالتركيز، فيتحول كل جديد إلى “أزمة آنية” تتقدم بسرعة على ما قبلها.

وهكذا، لا يعود الانتباه مرتبطا بفهم العالم بقدر ما يصبح وسيلة للتعايش معه. الاقتصاد يفرض ثقله في الخلفية، والسياسة تواصل اشتغالها الصاخب، لكن بينهما تتسلل طبقة ثالثة من الأخبار، ليست بالضرورة أهم، لكنها الأكثر قدرة على جذب العين والعقل في لحظة التعب العام. وربما هنا تحديدا تكمن المفارقة وهي ليس في أن الأجسام الطائرة أو الأخبار الغامضة تزيح الواقع، بل في أن الواقع نفسه بات كثيفا إلى درجة تجعل أي مساحة غير محسومة تبدو أكثر حضورًا من الحقيقة الصلبة.

وفي هذا السياق، يصبح الانتباه نفسه موردا لا يقل أهمية عن النفط أو المال في إدارة المجتمعات الحديثة. فالدول لا تتحكم فقط في ما يحدث، بل في ما يتم رؤيته وكيفية فهمه وتوقيت نسيانه. وبينما تتنافس الأخبار على لحظة الظهور الأولى، تتراجع الأسئلة الأبطأ والأعمق إلى الخلفية. لذلك لا يبدو ملف الأجسام الطائرة استثناء بقدر ما يبدو عرضا جانبيا لنظام أكبر، حيث تتجاور الحقائق الثقيلة مع القصص الغامضة في فضاء واحد، ويتحدد وزن كل منها بقدر قدرتها على البقاء في دائرة النظر لا في دائرة الفهم.

ارسال التعليق