أوراق الحرب

أوراق الحرب

محمد شريف أبو ميسم

كان لحرب الأربعين يوماً، وما أعقبها من معطيات اللاحرب واللاسلم، أثر بالغ على اقتصاديات دول المنطقة والعالم، فضلاً عن آثارها الاجتماعية والأمنية، بجانب المتغيرات التي فرضتها على الخارطة الجيوسياسية في المنطقة والعالم، بيد أن معطيات هذه الحرب وما أعقبها قدمت لنا دروساً جديدة في فهم الممكنات، والقدرة على إدراك ما يمكن أن يكون وليس فقط على ما هو كائن بالفعل، ومن بين أهم الدروس التي قدمتها لنا هذه الحرب، هو درس الإدارة القائم على التنظيم والانضباط والإجراءات الاستباقية، ليكون توظيف الجغرافية والتضاريس والطاقات البشرية والصبر الاستراتيجي عناصر خلق ندية لتكنولوجيا المعلومات والتفوق الجوي والاستخباري وأدوات الحرب السيبرانية.

 

نعم، هي أدوات تقليدية، ولكنها حين ترتدي حلة الحرب رغماً عنها للدفاع عن وجود شعب وأمة، تتحول في ظل العقائد -وعلى ما يبدو- إلى أدوات تفوق. فبعد أكثر من أربعين عاماً من العقوبات بهدف الإطاحة بالنظام السياسي في إيران، انقلب الحصار إلى نعمة معرفية إيرانية؛ إذ كانت العقوبات دافعاً لإنتاج المعرفة في الداخل الإيراني بفضل الإدارة الرشيدة وفهم الممكنات، وبالتالي البحث عن البدائل في خزائن العقل البشري، وتفجير الطاقات الإبداعية في الجامعات والمراكز البحثية.

وهنا تماهت المعرفة مع فصول البحث العلمي بدءاً بالعلوم التطبيقية وصولاً إلى الجغرافية والتضاريس، حين اتخذ الباحثون والعلماء من تحت السلاسل الجبلية مدناً محصنة لإقامة الصناعات العسكرية تحسباً من قدرات العدو في الوصول للأهداف، حتى قيل خلال الهجمات الصهيوأمريكية إن الآلة العسكرية والتفوق الجوي والسيبراني لهما الكلمة الفصل، إلا أن إدراك ما يمكن أن يكون تفوق على ما هو كائن في مختلف الجبهات، وهذا ما أثبتته الجغرافية، وتجلى بوضوح أكثر في توظيف مضيق هرمز في لعبة الحرب.

على النقيض من ذلك، لم يكن في حسابات بعض دول المنطقة أن التفوق العسكري والسيبراني سيكونان عاجزين عن تحقيق أهداف الحرب؛ فكان البعض منها مندفعاً في انحيازه لصالح العدوان على إيران، مبهوراً بعدد القواعد الأمريكية، مطمئناً وهو يوظف مدنه لتكون مراكز مالية عالمية، ولم يكن في تصوراته أن تتخلى الشركات التي تحكم العالم عن مراكزها التجارية والمالية دون الانخراط في الحرب. إلا أن تلك التصورات اصطدمت بالواقع مع وصول أولى دفعات الصواريخ وهي تستهدف القواعد العسكرية ومراكز المعلومات الاستخبارية، وحين توسع الأمر إلى استهداف المراكز المالية التي يقال إنها لصالح الشركات التي تمول الحرب بعد استهداف المصارف الإيرانية، هربت الاستثمارات في قطاع المصارف والتأمين، وتوقف قطاع المعارض الترويجية عن العمل والتحقت بهما الأيدي العاملة الأجنبية، مما صنع اختلالاً واضحاً في بنية الاقتصاد القائم على الاستثمار الأجنبي في تلك الدول، وترك فراغاً هائلاً في المشهد الكلي، وأفقد حكومات تلك الدول أحد أهم أوراقها التي توظفها في البحث عن موقع بين الكبار، وكرس حالة اللاانسجام بينها وبين بعض حلفائها في المنطقة الذين وجدوا ضالتهم في انتقال بعض الرساميل إلى بيئاتهم الاستثمارية.

إذ كانت الغلبة في رؤية تلك الحكومات -وعلى ما يبدو- لصالح ما هو كائن وليس لصالح ما سيكون، ولكن سرعان ما تجلت المتغيرات وفقدت دول عديدة في المنطقة ما كانت تتباهى به بعد ثبوت عدم رغبة القوى الرأسمالية في الانخراط بالحرب، ولم تنفع -وعلى ما يبدو- محاولات البعض من دول المنطقة الخاصة بتوسيع إنتاجها النفطي، سواء بالانسحاب من منظمة أوبك لتحقيق ما لم تحققه في سياق نظام الحصص، أو باستغلال قدرتها على التصدير خارج مضيق هرمز بعد أن وصلت صواريخ الحرب إلى أرصفة موانئ التحميل، وهنا فقدت بعض دول المنطقة توازنها بوصفها دولاً مهمة في الشرق الأوسط، وقام البعض منها بسحب ودائعه المالية في باكستان لتقوم دولة أخرى بإيداع نفس المبلغ، في سياق حرب خفية تحت الطاولة لا تشبه الحرب التي تخوضها إيران مع أصحاب المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.

ارسال التعليق