إمام الشارع لا إمام الحاشية

إمام الشارع  لا إمام الحاشية

يا لهذا النور، كيف مشى في الظلمة لا يهاب السكين ولا ظلال السجون؟

كان صوته ألين من نسمة الجنوب، وأشدّ من رعدٍ في شتاء المظلومين.

ذاك هو، السيد محمد محمد صادق الصدر، مرجعية لم تختبئ خلف الجدران،

بل مشت، عمامةً سوداء، في شوارع النجف، تلمس وجوه الناس، وتشمّ تراب الأزقّة،

وتضع يدها على قلب الجائع وتقول له: أنا معك، ولست عنك.

 

كان يحب الناس كما تحب الأم وليدها، لا يشغله عنهم كتاب، ولا يشدّه عنهم سياق،

وكانت همومهم زاده اليومي، لا يهنأ إلا إذا هُدئ وجع، أو جُبر كسر.

 

لم يكن من أولئك الذين يكتبون فتوى وينامون في حضن الحرس،

بل كانت فتواه جسده، وكان توقيعه دمه، وكان وجهه للناس… كل الناس.

 

رأى في السياسة ميدانًا للصراع النبيل، لا مفسدة،

فدخلها من بوابة الفقه، وأعاد للشارع صوته،

حشد الفقراء، لا طمعًا في سلطة، بل لأن وجعهم كان وجعه،

وألمهم سكن في مفاصله كما تسكن العبرة في عين الأمهات.

 

علّمهم أن المرجعية ليست صمتًا يتكئ على كتب العصور،

بل نهوض، وتحدٍّ، ومواجهة،

أن تكون المرجع يعني أن تكون أول من يُقصى،

وأول من يُلاحق،

وأول من تُرسم على رأسه دوائر الموت.

 

وكان يعرف.

وكان يبتسم.

ويمضي إلى صلاته في مسجد الكوفة،

حيث الحيطان تحفظ كل هتاف،

والمحراب يتلو وجعه إذا غاب الإمام.

 

كان يُخطب على منابر الجنوب كما لو كان يُخاطب أهله في مجلسٍ صغير،

وكان اسمه يملأ الحارات قبل أن يملأ الكتب.

 

مرجعية ناطقة… لا لأن لسانها متحرّك،

بل لأن روحها لم ترضَ بالسكوت،

وكانت تعرف أن السكوت موتٌ آخر.

 

صعد إلى المنبر وهو يعلم أن تحت المنبر هاوية،

ومشى إلى الجمعة وهو يدري أن في الطريق رصاصًا ينتظر الاسم،

ولكنه لم يتراجع.

لأنه آمن أن من يريد أن يُبلغ الرسالة إلى كل بيت،

لا بد أن يمرّ من بيت القهر أولًا،

ويجلس على مائدة الفقر،

ويواسي من لا يملكون حتى الأمل.

 

هو المرجع الذي لم يحتج إلى سطوة دولة،

بل بنى دولته في القلوب،

وزرع صورته على جدران العيون.

ولما ارتقى شهيدًا،

لم تمت صورته،

بل انتصبت، عالية،

كأنها تقول:

“ما زلت معكم…

فالأرواح التي أحبّت لا تموت.”

ارسال التعليق