إيران انتصرت كيف ذلك

إيران انتصرت  كيف ذلك

جون جولر 

عسكري متقاعد

 

تعود بي الذاكرة إلى عام 1973، حين كنت طالبًا في السنة الثالثة بأكاديمية "سان سير" العسكرية في إقليم موربيهان بفرنسا. كنا ندرس حينها مجالات متعددة كالاستخبارات العسكرية، الإدارة، القيادة، والأركان، في وقتٍ كانت فيه مفاوضات اتفاقية باريس للسلام تُجرى لإنهاء حرب فيتنام.

وقد تم توقيع الاتفاقية في يناير 1973، متضمنةً سحب القوات الأمريكية خلال 60 يومًا، وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، وترك مصير فيتنام ليقرره شعبها.

 

رغم التدمير الهائل الذي لحق بشمال فيتنام، والذي شمل أكثر من 1.1 مليون قتيل في صفوف الجيش والفييت كونغ، وما يقارب مليوني مدني، إضافة إلى دمار شامل للبنية التحتية، من قصف للمدن كهانوي وهايفونغ، وتخريب للطرق والسدود والمزارع، واستخدام المواد الكيميائية كـ "Agent Orange" التي تسببت في أمراض سرطانية وتشوهات، وفقر مدقع وندرة في الغذاء والدواء — إلا أن الرأي العام والخبراء أجمعوا أن الاتفاق كان نصرًا لفيتنام الشمالية.

 

في المقابل، خسرت الولايات المتحدة ما يزيد عن 58,000 جندي ومئات الآلاف من الجرحى .

 

وهنا، تعود بنا الذاكرة مجددًا إلى نقاشات أكاديمية سان سير حول الحروب غير المتكافئة (Asymmetric Warfare)، وهي نوع من الصراعات بين طرفين متفاوتين في القدرات العسكرية والتكنولوجية.

 

فكيف يمكن اعتبار فيتنام، وأفغانستان، والآن إيران، أطرافًا منتصرة في مواجهتها لقوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها من الأوربيين ، رغم التكاليف البشرية والمادية  التي تكبدتها؟

 

 الانتصار في الحروب غير المتكافئة : 

 

الانتصار هنا لا يُقاس بعدد القتلى أو حجم الدمار ، بل يتحقق حين ينجح الطرف الأضعف في :

الحفاظ على النظام السياسي

الحفاظ على هويته واستقلال قراره

إحباط أهداف الطرف المهاجم .

عدم التنازل عن حقوقه

كسب دعم شعبي أو إقليمي أو دولي

فرض شروط أو مواقف بعد انتهاء المعركة .

 

ففي فيتنام، تحقق الانتصار حين انسحب الأمريكيون وتوحدت البلاد.

وفي أفغانستان، تحقق الانتصار حين عادت طالبان إلى الحكم بعد انسحاب القوات الغربية.

 

وكما قيل :

"إذا لم تستطع هزيمة العدو عسكريًا، اجعله ينهار من الداخل".

 

وهذا ما رأيناه بوضوح في:

فيتنام: حيث انقلب الرأي العام الأمريكي على حكومته بعد الخسائر والصور الصادمة.

 

أفغانستان: حيث أُنهكت الولايات المتحدة في أطول حرب تخوضها دون تحقيق أهدافها.

 

 الحالة الإيرانية: لماذا يُمكن اعتبارها منتصرة؟

 

رغم التفوق العسكري والتقني لإسرائيل، والدعم الغربي الواسع الذي يشمل الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا، وغيرها من الدول غير المعلنة .

 

 فإن إيران استطاعت إفشال الأهداف الرئيسية للهجوم :

لم يتم إسقاط النظام، وهو الهدف الأهم الذي تفكر فيه إسرائيل من ١٩٧٩م ذلك إن الفرص لا تتكرر .

لم يتم القضاء على المشروع النووي أو الباليستي نهائيا مع ما أصابه من أضرار جسيمة .

عدم تضرر أجهزة الطرد ونقلها مع اليورانيوم المخصب وهو الأهم .

لم تحدث انشقاقات داخلية رغم محاولات التحريض

صمدت القيادة السياسية والشعبية أمام الهجوم.

استمرت إيران في القصف وفرض شروط لوقف النار (مثل ضرب قاعدة العديد في قطر وبعض القواعد بالعراق، والتفاوض حول الضربة الأخيرة).

وهذه من أصعب ما يتم الاتفاق عليه ما يعرف بالضربة الأخيرة حيث إن لها اعتبار سياسي كبير ذلك إنه عادة يفرضها القوي في الحروب .

ثم سماح الولايات المتحدة الأمريكية بضرب قاعدة العديد في حد ذاته تفوق إيراني كبير في التفاوض

ذلك إن من المعروف الجبروت والكبرياء الأمريكية خصوصا في ظل حكم ترامب لا تسمح بمثل هذا التفكير فضلا عن الفعل ذاته إذ إن ذلك يعد إهانة للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الخليج .

 

وهذا يعني أن إيران لم تُجبر على الاستسلام، بل تفاوضت من موقع الصمود، وليس الضعف، وهو مؤشر قوي كما تعلمناه في أدبيات العلوم السياسية.

 

حتى رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو حاول تحريك الداخل الإيراني ضد النظام، وتدخل الموساد بعمليات داخلية كبيرة ، ومع ذلك فشلت الخطة  في تحقيق الأهداف المرجوة، بل تحولت إلى عبء على إسرائيل سياسيًا وعسكريًا.

 

 خلاصة :

في فن الحرب والعلوم السياسية ، إنتصار إيران لا يعني تفوقها العسكري الحاسم  وإنما يكفي أن

تُفشل أهداف العدو

تحافظ على كيانها السياسي

تستمر في المواجهة مع إرادة ووعي وتوازن

ومع ذلك استطاعت لمدة ١٢ يوم إن تستمر في القصف وقد أصابت الكثير من مصادر الطاقة والمعاهد والمباني ومراكز مهمة جدا داخل الأراضي الإسرائيلية فضلا عن بعض القواعد الجوية  والمركز المالي الإسرائيلي ومعهد وايزمان العالمي المعروف ومقر الموساد والاستخبارات وغيرها .

 

وبناءً على ذلك، كما اعتُبرت فيتنام وطالبان منتصرتين، فإن إيران أيضًا يمكن اعتبارها منتصرة في هذه المرحلة، لأنها صمدت، وفشلت إسرائيل – رغم دعمها – اللامحدود من دول كثيرة بالمال والعتاد

وفي مقابل دولة محاصرة منذ خمسة و أربعين عاما ولم تستطع إسرائيل فعل الكثير بل طلبت إيقاف الحرب كذلك

 

كما إن إيران لم توافق على التفاوض في ظل الحرب وعندما فاوضت لم تتنازل عن أي حق من حقوقها فضلا عن الاستسلام في الحرب مقابل اعتى جيوش وأساطيل العالم وطالما هدد ترامب ولم تخشى ذلك التهديد والوعيد ابدا  فضلا عن إعلانها استمرار مشروعها النووي والبالستي أثناء الحرب  .

فنعم إيران انتصرت استراتيجيا .

 

الثلاثاء ٢٤ يونيو 

باريس

ارسال التعليق