بريطانيا على خطّ النار حربٌ تُفتح من القواعد قبل الجبهات
ريما فارس في لحظةٍ يشتدّ فيها التوتر على امتداد الشرق الأوسط، يطفو إلى السطح خبر سماح المملكة المتحدة باستخدام قواعدها في أي عمل عسكري محتمل ضد إيران، لتتسارع معه الأسئلة القلقة: هل نحن أمام بوادر حرب عالمية؟ أم أن ما يجري لا يزال ضمن حدود لعبة الأمم المحسوبة؟
ليس جديدًا أن تتحرك بريطانيا في إطار تحالفاتها، فهي جزء أساسي من حلف شمال الأطلسي، وتاريخها العسكري والسياسي مرتبط بدعم الاستراتيجيات الغربية، لا سيما تلك التي تقودها الولايات المتحدة.
غير أن فتح القواعد أو تسهيل استخدامها لا يعني بالضرورة الانخراط في حرب شاملة، بل يعكس في جوهره رسالة مزدوجة: ردعٌ لإيران من جهة، وتأكيدٌ على الجاهزية الغربية من جهة أخرى. إنها لغة القوة حين تُستخدم للضغط أكثر مما تُستخدم للإشعال.
المشهد الدولي اليوم أكثر تعقيدًا مما كان عليه في الحروب الكبرى السابقة. فالدول العظمى، وعلى رأسها روسيا والصين، ليست في وارد الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تطيح بالاقتصاد العالمي وتخلط الأوراق على نحو لا يمكن السيطرة عليه. هذه القوى، رغم خلافاتها العميقة مع الغرب، تدرك أن كلفة الحرب العالمية لم تعد تُقاس بالحدود والجبهات فقط، بل بانهيار منظومات كاملة، من الطاقة إلى التجارة إلى الأمن الغذائي.
لذلك، ما نشهده اليوم أقرب إلى حافة حرب… لا إلى الحرب نفسها.
تصعيد محسوب، وضربات مدروسة، ورسائل نارية تُرسل عبر الميدان دون أن تصل إلى لحظة الانفجار الكبير. فالغرب لا يريد مواجهة مباشرة مع إيران، وإيران بدورها تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع قوى كبرى قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها. وبين هذا وذاك، تتحرك ساحات المنطقة كمسارح اشتباك غير مباشر، تُدار فيها المعارك بأدوات متعددة، من الضربات المحدودة إلى الحروب بالوكالة.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في النوايا المعلنة، بل في احتمالات الخطأ. ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء، أو رد فعل غير محسوب، قد يدفع الجميع إلى مسار تصاعدي لا يمكن وقفه. وهنا تحديدًا يكمن القلق: ليس لأن العالم قرر أن يخوض حربًا كبرى، بل لأن التوتر بلغ مستوى قد يجعل شرارة صغيرة كفيلة بإشعال حريق واسع.
في المحصلة، لا يمكن القول إن العالم يقف على أعتاب حرب عالمية، لكن من الخطأ أيضًا الاطمئنان. نحن أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية، ويُدار فيها الصراع على حافة الهاوية.
وبين الحافة والسقوط، يبقى الفارق لحظة قرار… أو خطأ لا يُغتفر.
ارسال التعليق