شرح دعاء الافتتاح: الفقرة الثانية عشر..الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ
شرح دعاء الافتتاح: الفقرة الثانية عشر.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ، وَلا يُغْلَقُ بابُهُ، وَلا يُرَدُّ سائِلُهُ، وَلا يُخَيَّبُ آمِلُهُ. الحَمْدُ للهِ الَّذِي يُؤْمِنُ الخائِفِينَ، وَيُنَجِّي الصَّالِحِينَ، وَيَرْفَعُ المُسْتَضْعَفِينَ، وَيَضَعُ المُسْتَكْبِرِينَ، وَيُهْلِكُ مُلُوكا وَيَسْتَخْلِفُ آخَرِينَ…..
١. الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ .
“لا يُهتك حجابه” تعني أن الله سبحانه وتعالى مستور عن خلقه بحجاب ، فلا يستطيع أحد أن يرى ذاته المقدسة أو يخترق هذا الحجاب. فذات الله سبحانه وتعالى أعظم من أن يدركها العقل البشري، لأنه “ليس كمثله شيء” ويقول “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” . وقول موسى عليه السلام: “قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا….
ولأجل ذلك يقول تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.
فالله لا يمكن إدراكه بحواس البشر، فهو محجوب عن أن يُرى . ولا يمكن للعباد أن يصلوا إلى معرفته الكاملة، بل عرَّفهم بنفسه من خلال رسله وأنبيائه، وأوحى إليهم كتبه التي توضح آياته وصفاته واسمائه وأحكامه. وهذا يوجب على الإنسان أن يشكر الله، ويعمل بما أمر به، حتى ينال الجنة ويبتعد عن عذاب النار…..
٢. “وَلا يُغْلَقُ بابُهُ”
باب الله مفتوح دائمًا لعباده، فلا يُغلق في وجه طالب أو تائب، وهو سبحانه لا يرد من يقصده.
يقول الامام زين العابدين: أغلقت الملوك أبوابها، ودارت عليها حراسها، وبابك مفتوح لمن دعاك يا سيدي. وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت المحبوب إلي.
كالأم التي لا تُغلق بابها أبدًا في وجه ولدها، بل تظل تنتظر عودته بقلب مليء بالحب والعفو والتسامح وان ارتكب الاخطاء بحقها.
٣. “وَلا يُرَدُّ سائِلُهُ”.
الله سبحانه وتعالى جواد كريم، لا يرد من طرق بابه ولا يخيب من رفع إليه حاجته، بل يمنح العطاء بغير حساب، حتى لو تأخر الإجابة، فإن ذلك يكون لحكمة ورحمة. فهو القائل: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”، مما يدل على سعة كرمه وعظيم لطفه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : “إن الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين”.
٤. وَلا يُخَيَّبُ آمِلُهُ”.
الله لا يخيب أمل من يرجوه، بل يمنحه ما يتمنى أو خيرًا مما يتمنى ، فكلما ازداد العبد حسن ظنه بالله، وامتلأ قلبه بالرجاء فيه، وتوكل عليه بصدق، كان ذلك سببًا في نيل رحمته وعطائه، فإن الله سبحانه لا يخذل من أمل فيه.
قال الله تعالى: “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ”، أي أن من يعتمد على الله بقلب واثق، فإن الله يكفيه ويحقق له رجاءه.
وفي الحديث الامام الرضا عليه السلام قال: أحسن الظن بالله فان الله عز وجل يقول: أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . مما يدل على أن حسن الظن بالله يجلب الخير والرحمة، وأن الله لا يخيب من وثق بعطائه.
٥. “الحَمْدُ للهِ الَّذِي يُؤْمِنُ الخائِفِينَ”.
الحمد لله الذي يمنح الأمان لعباده عندما تعصف بهم المخاوف، فهو الملجأ الذي تطمئن إليه القلوب، والحصن الذي يلجأ إليه المذعورون. عندما تضيق الدنيا بالإنسان، وتشتد المحن، فإن الله هو الذي يبث في قلبه الطمأنينة ويزيل عنه الخوف، سواء كان خوفًا من الظلم، أو الفقر، أو المستقبل، أو حتى عذاب الآخرة….
قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَأَنزَلَ جُنُودࣰا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ وَذَ ٰلِكَ جَزَاۤءُ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ….
ويقول تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
٦. “وَيُنَجِّي الصَّالِحِينَ”.
اي ان الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلص ويُنجّي الصالحين من المكاره والمصائب والمحن ، سواء كانت هذه المصائب في الدنيا أو الآخرة. فالله تعالى يعد الصالحين بحفظه ورعايته، ويمنحهم النجاة من الشرور، والآلام، والابتلاءات.
وقصص الانبياء والاولياء شواهد وادلة على ذلك فالله انجى ابراهيم من الاحراق وانجى موسى وقومه من الغرق وانجى نوح ومن أمن معه من قومه وانجى يوسف من مما تعرض له من ابتلاءات وانجى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله من قومه عندما ارادوا واجتمعوا على قتله……
٧. “وَيَرْفَعُ المُسْتَضْعَفِينَ”.
يعني ان الله سبحانه وتعالى يرفع مكانة الأشخاص الذين يُظلمون ويُستضعفون في المجتمع، سواء كانوا في حال من الفقر، أو الضعف البدني، أو العجز الاجتماعي. ويعني رفع الله سبحانه وتعالى لهم أنهم يجدون العون والتوفيق من الله، ويُكرمهم ويُعلي شأنهم برغم الظروف الصعبة التي يمرون بها.
قال الله تعالى في سورة القصص : “وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”.
في هذه الآية، وعد الله سبحانه وتعالى بأن يرفع المستضعفين الذين يعانون من الظلم في الأرض ويمنحهم القوة والقدرة على أن يصبحوا قادة حيث يجعلهم أئمة وورثة للملك…..
٨. “وَيَضَعُ المُسْتَكْبِرِينَ”.
“ويضع”: تعني أن الله يُخضع هؤلاء المتكبرين ويُذلّهم، ويُظهِر ضعفهم، ويضعهم في مكانهم الطبيعي تحت سيطرته وقوته.
“المستكبرين”: هم الأشخاص الذين يظهرون الغرور والعظمة على الآخرين، ويعتقدون أنهم أفضل من غيرهم بسبب قوتهم أو مالهم أو سلطتهم، ويأبون الاعتراف بعظمة الله تعالى.
هذه العبارة تُظهر أن الله تعالى هو الذي يرفع ويُعلي من يشاء، وهو الذي يذلّ المتكبرين ويُظهر لهم مكانهم الحقيقي، حتى يعلموا أنهم لا يملكون من القوة أو العظمة شيئًا أمام قدرة الله تعالى ،فهذا فرعون استكبر في الأرض وعلا علوا كبيرا ولكن كانت نهايته الغرق والاعتراف بقوة الله تعالى ولكن حيث لا ينفع الندم .
قال تعالى: وَجَـٰوَزۡنَا بِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡیࣰا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِیۤ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوۤا۟ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ…..
٩. “وَيُهْلِكُ مُلُوكًا وَيَسْتَخْلِفُ آخَرِينَ”.
سبحانه وتعالى هو الذي يُهلك الطغاة والمستبدين الذين يظلمون ويطغون في الأرض، ويستبدلونهم بأشخاص آخرين يُحسنون إدارة الأمور ويعظمون الحق. فالله تعالى قادر على إسقاط الحكام الظالمين في أي وقت، وأنه لا يُعجزه شيء في تغيير أوضاع الناس وحكامهم.
قال تعالى : {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
وقال تعالى “إِذَا جَاءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُۖ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۭا”.اللهم انا نرغب اليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة الى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة
ارسال التعليق