لماذا تبدو الدولة مفلسة رغم المليارات؟ وهل هي مفلسة حقًا أم مثقلة بتركة لا يريد أحد تفكيكها؟

لماذا تبدو الدولة مفلسة رغم المليارات؟ وهل هي مفلسة حقًا  أم مثقلة بتركة لا يريد أحد تفكيكها؟

بقلم: د. علي يوسف الربيعي

التاريخ: 28 كانون الأول 2025

 

لأن الدولة في العراق لا تُدار بوصفها دولة، بل تُستَخدم كما لو كانت شركة منهوبة بلا مجلس إدارة حقيقي، تبدو مفلسة في أعين مواطنيها رغم المليارات التي تدخل خزائنها. لكنها، في جوهر الأمر، ليست مفلسة بقدر ما هي مُفرَّغة عمدًا. التفريغ هنا ليس صدفة، بل أسلوب إدارة، ونهج متراكم، وقرار غير معلن.

الدولة لا تعاني شحًّا في المال، بل فوضى في القرار. الإيرادات معروفة ومعلنة: نفط، جمارك، ضرائب، منافذ حدودية، رسوم، احتياطي نقدي، ذهب، وأصول لم تُستثمر. ومع ذلك، لا يتحول هذا التدفق المالي إلى اقتصاد حيّ أو تنمية مستدامة، بل يذوب في تسكين سياسي، ورواتب متضخمة، ونفقات تشغيلية بلا إنتاج. المال يدخل كما يدخل الماء، لكنه لا يستقر، لا لأنه قليل، بل لأن الإناء مثقوب… وثقبه ليس عيبًا تقنيًا، بل فعلًا مقصودًا.

وهنا يفرض السؤال نفسه بلا مواربة:

إذا كانت الدولة خاسرة، فلماذا هذا الصراع المحموم، وأحيانًا الدموي، على الكرسي؟

الجواب بسيط وموجع في آنٍ واحد: لأنها ليست خاسرة لمن يجلس عليها.

هي خاسرة فقط للمواطن.

الكرسي في العراق لم يعد موقع خدمة، بل مفتاح خزنة. من يجلس عليه لا يدير اقتصادًا بقدر ما يوقّع: عقدًا، إحالة، استثناءً، تعيينًا. وكل توقيع يفتح باب نفوذ، وكل نفوذ يولّد مالًا لا يظهر في جداول الموازنة، لكنه حاضر بقوة في الواقع. لذلك لا يتقاتلون لأن التركة ثقيلة، بل لأن الغنيمة، رغم ثقلها، ما زالت مغرية.

الإفلاس الذي نراه ليس إفلاس خزينة، بل إفلاس سياسة اقتصادية. الدولة تُدار بعقلية “نمرّر هذا العام”، لا بعقلية التخطيط طويل الأمد. لا صناعة تُحمى، ولا زراعة تُبنى، ولا استثمار حقيقي يُراكم قيمة، ولا تنويع يخفف الارتهان. كل شيء معلّق على النفط، وحين يهتز سعره، يهتز معه الخطاب الرسمي، وكأن البلاد بلا بدائل ولا مخارج.

تبدو الدولة مفلسة لأن المال بلا رؤية، ولأن القرار بلا شجاعة، ولأن الإصلاح بلا كلفة سياسية مستعد أحد لتحملها، ولأن الكرسي بلا محاسبة. ولو كانت الدولة مفلسة حقًا، لما سال كل هذا اللعاب حول السلطة، ولما تحولت المناصب إلى معارك وجود، ولما رأينا من يشتري طريقه إلى الحكم وهو يعلم، يقينًا، أن الراتب الرسمي لا يفسّر هذه الحماسة.

الخلاصة، مهما كانت قاسية، لا مفر منها:

العراق ليس دولة فقيرة، بل دولة أُفقِرت مواطنيها.

والمشكلة ليست في المليارات، بل فيمن يتعامل معها كغنيمة… لا كأمانة.

ارسال التعليق