إساءة استعمال صفحات التواصل الاجتماعي

إساءة استعمال صفحات التواصل الاجتماعي

زهير كاظم عبود 

تنص المادة (57) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 على سرية التحقيق حفاظًا على التوصل إلى الحقيقة، وتحقيقًا لمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، والتحقيق تجريه جهات مختصة بإشراف قاضي التحقيق، وأن نشر الوثائق أو المعلومات من أي شخص غير مخوّل يُعد خرقًا لسرية التحقيق، كما تنص المادة المذكورة على أن التحقيق يكون ابتدائيًا وسريًا، ولا يجوز لغير الخصوم أو وكلائهم الحضور إلا بإذن من المحقق، وعلى الحاضرين عدم إفشاء أي أمر من أمور التحقيق، ومن يخالف ذلك يُعاقب وفق أحكام القانون.

 

ولذلك نصت المادة 236 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، على معاقبة كل من أذاع أو نشر أمورًا أو مستندات من شأنها التأثير على القضاة أو المحققين أو الشهود أو الخبراء أو التأثير في الرأي العام لمصلحة أحد أطراف الدعوى أو ضده، بالحبس مدة لا تزيد على السنتين أو بالغرامة، وعالجت المواد 433 و434 قضايا القذف والتشهير، إذا كان النشر يتضمن اتهامات أو معلومات تسيء لسمعة الأشخاص قبل صدور الحكم.

تنشغل صفحات التواصل الاجتماعي بقضايا لا أساس لها من الصحة، يتم نشر أخبار تخص التحقيق، بعض منها لا ينطبق مع القانون، وبعض آخر وجهات نظر ملفقة أو تعتمد الذكاء الصناعي، وتنشر أوامر قبض مزورة لم تصدر من القضاء المختص، وتجاوز على جهات تحقيقية أو قضائية، ما يقوم به هؤلاء المواطنون هو أمر خطير على أكثر من صعيد، لأنه يمثل خرقًا للقانون، لأن القانون العراقي يمنع إفشاء معلومات أو وثائق تتعلق بقضايا قيد التحقيق، إلا من خلال الجهات المخوّلة رسميًا، وذلك لحماية سرية التحقيقات وضمان سلامة الإجراءات، وتدخلًا سافرًا في عمل القضاء، حيث إن القضاء سلطة مستقلة، وأي محاولة للتأثير على مجريات التحقيق أو تكوين رأي عام ضاغط قبل اكتمال الإجراءات هو تدخل غير مشروع، ويترتب عليه مساءلة قانونية، وهذا الأمر يعرقل جهود السلطات التحقيقية ويربك عملها، وإن نشر الوثائق أو التصريحات غير الرسمية يمكن أن يشوش على سير التحقيق، ويؤثر على الشهود أو المتهمين، ويمنح أطراف القضية فرصة لتغيير أقوالهم أو إتلاف الأدلة.

إن مثل هذا العمل الذي توفره صفحات التواصل الاجتماعي قد يسبب أضرارًا اجتماعية وأمنية، حيث إن نشر معلومات غير حقيقية أو مشوهة يضر بسمعة أشخاص لم تثبت إدانتهم بعد، ويؤجج الرأي العام على أسس غير دقيقة، ما يؤدي إلى فقدان الثقة بالقضاء، هذا السلوك مخالف للقانون ومضر بالعدالة، وقد يعرض صاحبه للمساءلة الجزائية بتهمة عرقلة العدالة أو التشهير أو خرق سرية التحقيق، ومن الحكمة ترك التحقيق للقضاء وعدم الخوض فيه إلا بعد صدور الأحكام الرسمية.

وتوخيًا لعدم الوقوع في تلك المداخلات التي كثرت في الفترة السابقة، حيث يتم نشر أخبار غير صحيحة، ويتم نشر صور غير حقيقية اعتمادًا على الذكاء الصناعي في قضية لم تزل قيد التحقيقات القضائية المختصة، يعرض نفسه للمساءلة وفق قانون العقوبات، إضافةً إلى إمكانية ملاحقته بتهمة التشهير أو التأثير على القضاء.

وكان مجلس القضاء الأعلى قد وجّه توضيحًا حول هذا الأمر، إلا أن افتقار أغلب المواطنين إلى الثقافة القانونية وإلى المسؤولية الجزائية، مع توفر فرصة تمنحها وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن رغبات وأفكار أشخاص قد تكون لهم علاقة بأطراف القضية، أو ممن لا علاقة لهم بها، أسهم في استمرار هذه الممارسات.

ارسال التعليق