العودة إلى الواقعيَّة السياسيَّة

العودة إلى الواقعيَّة السياسيَّة

د. عدالت عبدالله

شئنا ذلك أم أبينا، فإن أحد أسس النشاط السياسي في التاريخ الحديث، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية ، هو الواقعية (Realism) والتشبث بها، خصوصاً في السياسة والعلاقات الدوليتين. وهذا النهج يتمتع، منذ زمن بعيد، بمدارسه وفلسفته الخاصة، وقد نُظِّر له من خلال نماذج فكرية مختلفة، وفي مراحل وحقب متباينة، من قبل مفكري حقل السياسة، من أمثال: نيكولا ميكافيلي، وتوماس هوبز، وثوسيديدس، وإدوارد هاليت كار، وغيرهم، واعتُبر من ضرورات العمل السياسي والحكم.

 

والواقعية، في أبسط تعريفاتها، هي: التعاطي مع الواقع كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون. ومن هذا المنطلق، غالباً ما تكون القوة، والمصلحة الوطنية، وتوازن القوى، والأمن، والردع، هي المحركات الأساسية للكثير من السلوكيات السياسية، ودون أخذ هذه المفاهيم بعين الاعتبار، فإن ممارسة السياسة غالباً ما تفضي إلى القصور، إن لم نقل تؤول إلى الفشل.

ومن زاوية أخرى، فإن منهج الربط المطلق للسياسة بالمبادئ الأخلاقية، أو الأيديولوجيات، أو بمجرد الحق والشرعية، أو بتلك القواعد التقليدية التي تُدار بها لعبة السياسة، غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إلا نادراً. أي إنه، بدلاً من أن تحقق المواقف والقرارات السياسية ما نهدف إليه، فإنها تصبح عاملاً للابتعاد أكثر عن الأهداف والاستراتيجيات الموضوعة.

وإذا ما سقنا مثالاً بسيطاً من هذه الناحية، يمكننا الإشارة إلى العلاقة بين الكرد وبغداد، وبين الكرد والدول الأخرى التي تتجلى فيها كردستان. فالواقعية السياسية هنا هي الاعتراف بأن هذه الدول تمتلك حدوداً دولية معترفاً بها على المستوى العالمي، أما المثالية السياسية، بل الخطأ القاتل، فيكمنان في رفض أي شكل من أشكال التعامل مع تلك الدول، وذلك انطلاقاً من منطلقات أيديولوجية أو أخلاقية ترى أن تلك الدول محتلة لكردستان، وأن أي علاقة معها تُعد نوعاً من الخيانة.

ولأن الواقعية السياسية تضع عينها على الواقع كما هو، وليس كما يُتمنى، فإنها تضع المثالية السياسية دائماً تحت طائلة تساؤلات صعبة. ففي هذا المثال البسيط الكردي وعلاقاته الإقليمية، تتساءل: ما هو الخيار الآخر المتاح إذن، بخلاف التعامل مع هذه الدول؟

ربما يكون الجواب هنا بمنطق مثالي مجدداً، أي توحيد جميع أجزاء كردستان، ولكن دون أخذ متطلبات وشروط وقدرات هذا التوحيد بعين الاعتبار، أو مدى إمكانية تحقيقه وكيفيته، ودون مراعاة مجمل التحديات والعقبات والعوامل الذاتية والموضوعية، التي يتطلب تجاوزها نضالاً سياسياً وفكرياً وثقافياً وتربوياً واجتماعياً شاقاً وعسيراً للغاية، من دون أن تكون هناك، في النهاية، أي ضمانة حقيقية لنجاح هذه الأشكال المختلفة من النضال، التي يجربها الكرد أنفسهم منذ 100 عام. وليس هذا لأنها كانت نضالات غير مشروعة، لا، أبداً، وإنما لأن السياسة الدولية، ومصالح الدول الكبرى، والعلاقات بين الدول المحتلة، والتعددية القطبية السياسية الكبرى في العالم، كلها، مجتمعة ومنفردة، تقف ضد أي إرادة أو سيناريو لهذه النضالات. بل إن معادلات توازن القوى، والأمن القومي، والمصلحة الوطنية لتلك الدول، وسياسات الردع، واتباع حملات الدعاية، وإطلاق المسميات (كـ”الإرهابيين”، على سبيل المثال، أو “المتمردين”)، والتي تشكل جميعها ركائز قوية للعمل بالواقعية السياسية، لا تقر بالحق المشروع للكرد في تلك النضالات، ولا تدعمه، بل وتناهضه أيضاً.

بمعنى أبسط، فإن الدول التي تقع فيها أرض كردستان، والدول الكبرى على حد سواء، تعي تماماً أن الكرد قومية أصيلة في المنطقة، ولديهم الحق في أن يكون لهم كيانهم الخاص، لكنها أوجدت، وبفلسفة براغماتية وواقعية سياسية، ظروفاً إقليمية ودولية تجعل من حق الكرد في الوحدة، ورفع الحدود بين أجزاء كردستان، والاعتراف بأي استقلال سياسي لهذه الأمة، خطاً أحمر ومحظوراً سياسياً، دولياً وإقليمياً.

وهم يدركون أيضاً أن الكرد، في تاريخهم الممتد على مدار الـ100 عام الماضية، لا سيما بعد اتفاقية سايكس - بيكو (1916م)، ومؤتمر سان ريمو (1920م)، وظهور رياح الفكر القومي في المنطقة، لم يكن لديهم خيارات أخرى سوى التشبث بالثورة المسلحة ونضال التحرر الوطني، وهو خيار هم يعلمون مسبقاً، من منظور توازن القوى الذي يعد ركيزة للواقعية السياسية، بأنه سيفشل.

وإذا قيل إن نضال كردستان العراق قد وصل إلى حدوث انتفاضة عام (1991م) والتحرر من الاستبداد، فينبغي معرفة الحقيقة الكامنة وراء ذلك، وهي أنها ارتبطت، بالدرجة الأولى، بانقلاب حزب البعث العراقي (1968 - 2003 م) على مبادئ الواقعية السياسية، وعدم مراعاته للمعادلات الدولية التي وضعتها الدول الكبرى للمنطقة، ولهذا السبب بالذات واجه “عاصفة الصحراء”، وجاء توفير المنطقة الآمنة للكرد في العراق أيضاً في هذا الإطار المحدود بالذات.

ارسال التعليق