الفقهاء المرشحون للمرجعية النجفية بعد السيستاني/

الفقهاء المرشحون للمرجعية النجفية بعد السيستاني/

 

 

د. علي المؤمن

 

    ذكرنا في القسم السابق بأن مشهد تقدّم أحد فقهاء النجف الكبار، من غير المراجع الحاليين، لشغل موقع المرجعية المتصدية بعد آية الله السيستاني، هو المشهد الأكثر قبولاً وواقعية لدى الرأي العام الحوزوي النجفي، وأبرز هؤلاء الفقهاء:

 

    1- الشيخ محمد باقر الإيرواني:

    من أُسرة علمية دينية نجفية تعود بنسبها إلى الشيخ الفاضل الإيرواني، النازح من منطقة آذربيجان. ولد في النجف الأشرف في العام ١٩٤٩، ودرس في مدارس منتدى النشر التي كان يشرف عليها الشيخ محمد رضا المظفر. وخلال مرحلة الدراسة الثانوية انضم إلى الدراسات الدينية في الحوزة العلمية، حتى بلغ مرحلة البحث الخارج، فحضر دروس السيد محمد باقر الصدر والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم. وبدأ بتدريس مرحلة السطوح العالية، حتى هجرته إلى إيران، حيث استمر بتدريس السطوح العالية ثم البحث الخارج بدءاً من العام 1991. ثم عاد إلى النجف الأشرف بعد سقوط النظام البعثي، واستأنف دروس البحث الخارج، ويُعدّ درسه أكبر درس في النجف حالياً.

 

    2- الشيخ محمد هادي آل راضي:

    من أحفاد الشيخ راضي النجفي، جد الأُسرة العلمية الدينية النجفية المعروفة بآل راضي، وهي فرع من عشيرة آل عِلي، إحدى عشائر بني مالك. ولد في العام 1949 في النجف الأشرف، درس في مدارس منتدى النشر التي كان يشرف عليها الفقيه المجدد الشيخ محمد رضا المظفر، إلى جانب انخراطه في سلك العلم الديني، وتدرج في مراحل الدراسة حتى بلغ مرحلة البحث الخارج، فتتلمذ عند السيد الشهيد محمد باقر الصدر، والسيد أبو القاسم الخوئي وآخرين. ثم هاجر إلى إيران في العام ١٩٨٠ بعد إعدام أُستاذه السيد محمد باقر الصدر وملاحقة تلامذته. وبعد أكثر من عشر سنوات على تدريس مرحلة السطوع العالية في الحوزة العلمية في قم، بدأ بتدريس البحث الخارج في العام 1992. وبعد سقوط النظام البعثي، عاد إلى النجف الأشرف وواصل التدريس وأداء واجباته الدينية والعلمية.

 

    3- الشيخ حسن الجواهري:

    من أُسرة علمية دينية نجفية شهيرة، تعود إلى مؤسسها مرجع الشيعة في زمانه الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بـ «الجواهري» نسبة إلى كتابه الفقهي «جواهر الكلام». ولد في العام ١٩٤٩ في مدينة النجف الأشرف، وجمع بين الدراستين الأكاديمية والدينية، فتخرج في كلية الفقه في العام ١٩٧١. كما بلغ مرحلة البحث الخارج، وحضر خلالها دروس والده الشيخ محمد تقي الجواهري، إضافة إلى السيد أبو القاسم الخوئي والسيد الشهيد محمد باقر الصدر. واعتقل في العام 1979 بتهمة النشاط السياسي الإسلامي، ثم أُبعد إلى إيران، وحينها استأنف الدراسة والتدريس والعمل العلمي والفكري والواجبات الدينية في الحوزة العلمية في قم، وحضر دروس الميرزا الشيخ جواد التبريزي والشيخ حسين الوحيد الخراساني. وبدأ بتدريس البحث الخارج في العام 1988، وكان عضواً في مجمع الفقه الإسلامي في جدة، وعضواً في المجمع العالمي لأهل البيت، قبل أن يعود إلى النجف بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003، ويستأنف في الحوزة العلمية مهامه العلمية والدينية.

 

    4- السيد علي الموسوي السبزواري:

     نجل المرجع الديني السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري، ولد في النجف الأشرف في العام 1945 درس البحث الخارج على والده والسيد أبو القاسم الخوئي. ويذكر مطلعون أنّ والده أوصاه ـ قبل وفاته ـ بعدم التصدّي للمرجعية، والاهتمام بالشأن العلمي وقضاء حوائج الناس، ولذلك يستبعد هؤلاء إعلان السيد علي السبزواري نفسه مرجعاً للتقليد، فضلاً عن معاناته من مشاكل صحية مزمنة.

 

    5- الشيخ محمد السند:

    ولد في العام 1961 في العاصمة البحرينية المنامة. جمع في بلده البحرين بين الدراستين الأكاديمية والدينية، ثم واصل دراسته الجامعية في لندن، كما استأنف الدراسة في الحوزة العلمية في قم في العام 1980، حتى مرحلة البحث الخارج؛ فحضر بعد العام 1984 دروس مراجع قم الكبار، كالسيد محمد الروحاني والميرزا الشيخ هاشم الآملي والسيد محمد رضا الگلپايگاني والميرزا الشيخ جواد التبريزي، إلى جانب تدريسه مرحلة السطوح، وبعد عشر سنوات بدأ بتدريس البحث الخارج. ثم انتقل في العام 2010 إلى النجف الأشرف، وواصل التدريس في حوزتها العلمية.

 

    6- السيد محمد رضا الحسيني السيستاني:

    الابن الأكبر لمرجع النجف الأعلى السيد علي السيستاني. ولد في النجف الأشرف في العام 1962، ودرس في حوزتها العلمية، حتى بلغ مرحلة البحث الخارج، فحضر دروس والده والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي البهشتي. برز دوره العام بعد سقوط نظام البعث، من خلال إدارة شؤون والده ومكاتب المرجعية العليا، وشكّل حلقة التواصل بين والده والدولة العراقية والكتل السياسية والمؤسسات الاجتماعية.

 

    7- السيد علي أكبر الحسيني الحائري:

    شقيق المرجع السيد كاظم الحائري، ومن أُسرة دينية علمية تعود جذورها إلى مدينة شيراز الإيرانية. ولد في مدينة النجف الأشرف في العام 1948، ودرس في حوزتها العلمية حتى حضر دروس البحث الخارج عند السيد محمد باقر الصدر وغيره من فقهاء النجف. كان من المجاهدين والمعارضين لنظام البعث منذ بدايات شبابه، من خلال قربه من السيد محمد باقر الصدر وانتمائه إلى الحركة الإسلامية العراقية، ولعب دوراً أساسياً في انتفاضة رجب في العام 1979، والتي أدت إلى إطلاق سراح السيد محمد باقر الصدر. وبعد اعتقاله؛ حكم بالسجن المؤبد، ثم تم إبعاده إلى إيران في العام 1980، فواصل عمله الجهادي والعلمي انطلاقاً من مدينة قم، واستأنف حضور دروس البحث الخارج عند شقيقه السيد كاظم الحائري وغيره من مراجع قم، إلى جانب تدريس مرحلة السطوح. ثم شرع بتدريس البحث الخارج في قم، واستأنفه بعد عودته إلى النجف الأشرف في أعقاب سقوط النظام البعثي.

 

    والقدر المتيقن؛ أنّ أغلب هؤلاء الفقهاء السبعة المعترف باجتهادهم وفقاهتهم وفضلهم من قبل الرأي العام الحوزوي، سيبادر إلى طباعة رسالته العملية ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد بعد مرحلة السيستاني، وسيرجع إليه جزءٌ مهم من الشيعة. وبرغم تكافؤ الفرص ــ نسبياً ــ بينهم؛ إلّا أن الأنظار تتوجه بشكل أكبر إلى ثلاثة منهم، هم: الشيخ محمد باقر الإيرواني والشيخ هادي آل راضي والشيخ حسن الجواهري(1). وهي المرة الأولى في تاريخ المرجعية الدينية الشيعية والحوزة العلمية النجفية؛ أن يكون جميع المرشحين لتبوء موقع المرجعية الدينية في النجف، هم من مواليد النجف الأشرف، وأنّ أغلبهم من الأُسر العراقية الدينية العلمية المعروفة.

 

    ورغم أن المشهد الرابع هو الأكثر مقبولية وواقعية؛ لكنه لن يوحِّد المرجعية النجفية، ولن يفرز مرجعاً أعلى بديلاً للسيد السيستاني؛ بل إنّه يفرز تعددية تلقائية في المرجعية لفترة من الزمن، ربما لا تقل عن عشر سنوات تعقب رحيل السيستاني؛ لأنّ أياً من الفقهاء المذكورين لا يمكنه أن يحظى بالإجماع النسبي من الرأي العام الحوزوي؛ لأسباب موضوعية وشخصية كثيرة. وستكون الجهة الأهم التي يعوّل عليها حسم المشهد، هي مرجعية السيد السيستاني نفسها، والتي يستمع إلى رأيها أغلب أساتذة البحث الخارج والسطوح العالية في النجف، والذين يشكلون شبكة حقيقية لأهل الخبرة. وبما أنّ بيت السيد السيستاني في النجف ومكتبه في قم؛ ركنان أساسيان في مرجعيته؛ فإنّ إشارة المرجع الأعلى السيد السيستاني ودعم بيته ومكتبيه في النجف وقم؛ ستكون مفصلية في تحديد مرجع النجف لمرحلة ما بعد السيد السيستاني. 

 

    أما الذين يطرحون أنفسهم مراجع تقليد خارج الأعراف الحوزوية والسياقات التقليدية الصارمة للتدرج المرجعي، سواء كانوا عراقيين أو إيرانيين أو باكستانيين أو لبنانيين، بمن فيهم أغلب أصحاب الرسائل العملية الحاليين في النجف وكربلاء والكاظمية وقم ومشهد وغيرها؛ فإنهم سيبقون خارج دائرة الترشيح لموقع المرجعية العليا أو مرجعيات الصف الأول؛ لأن حرق المراحل والسعي غير المشروع وغير المتوازن والمتعجل لبلوغ مستوى الاجتهاد ثم المرجعية، يلفت أنظار أهل الخبرة في الحوزة (أساتذة السطوح والبحث الخارج) لهذا الخلل الكبير في الالتزام بالسياقات الدراسية والاجتهادية، وهو يؤدي إلى توقف تقدم عالم الدين، وإن أصبح ـ فيما بعد ـ أعلم المراجع الأحياء وأكفأهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات 

    (1) اللافت للنظر أن الشيخ محمد باقر الإيراوني والشيخ محمد هادي آل راضي والشيخ حسن الجواهري يشتركون في كثير من المواصفات؛ ففضلاً عن كونهم أصدقاء مقربين؛ فإن الثلاثة من مواليد النجف في العام 1949، والثلاثة ليسوا من السادة، ومن أسر علمية دينية نجفية، وقد دخلوا الحوزة النجفية في وقت متقارب، ودرسوا البحث الخارج عند السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر في الدورات نفسها، واستطاعوا التوفيق في مناهجهم الفقهية والأصولية وسلوكهم العام بين مدرستي الخوئي والصدر، أي أنهم متطابقون تقريباً في هذا المجال، ثم هاجروا إلى إيران خلال سنة واحدة، وسكنوا قم ودرسوا في حوزتها، وبلغوا درجة الاجتهاد وشرعوا بتدريس البحث الخارج في أوقات متقاربة، والثلاثة عادوا إلى النجف الأشرف بعد سقوط نظام البعث في أوقات متقاربة. ثم سيتصدّون للمرجعية في وقت واحد، ويُتوقع أن يتحولوا إلى مراجع كبار خلال بضع سنوات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة "كتابات علي المؤمن" الجديدة وارشيف مقالاته، ومؤلفاته بنسخة (Pdf) على تلغرام: https://t.me/alialmomen64

ارسال التعليق