دولة ما بعد الطاغية
كتب رياض الفرطوسي
لطالما سقطت في التاريخ رؤوس وبقيت "الرؤوس" كمنظومات تفكير تحكم وتدير. إن المأزق الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من رحم الشمولية يكمن في "إرث الطباع" لا في إرث الأشخاص؛ فالسلطة حين تُمارس لعقود كفعل استعراضي يختزل الدولة في الفرد، تترك وراءها فراغاً لا يملؤه إلا من تدرب في مدرسة ذلك الفراغ ذاته. وبدلاً من أن يكون التغيير قطيعة مع أساليب الماضي، يتحول في كثير من الأحيان إلى "تقمص" لا إرادي؛ حيث يجد المعارض نفسه، ودون وعي، يرتدي ثوب خصمه القديم، ويستعير أدواته في الإدارة والإقصاء، ظناً منه أن القوة هي الضمانة الوحيدة للبقاء.
إن الدولة الحقيقية ليست مجرد مؤسسات ومبانٍ، بل هي "عقد اجتماعي" قوامه التنمية والعدل. لكن حين تتحول السياسة إلى فعل "انتقامي" أو محاولة لترميم جروح الماضي بوسائل الماضي ذاتها، يضيع مشروع بناء الدولة الحديثة في زحام الصراعات الجانبية. إن من يصارع "الوحش" دون أن يمتلك مشروعاً أخلاقياً وبديلاً حضارياً، يجد نفسه في نهاية المطاف وقد نبتت له مخالب تشبه تلك التي كان يخشاها. العقلية التي لا تقبل المساحات الرمادية، وتؤمن بمبدأ "الإلغاء أو الدمج الكامل"، هي العائق الحقيقي أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي، وهي التي تحول الأمل في "الاستقرار" إلى مجرد "هدن
ة" قلقة بين أزمات متلاحقة.
وعلى مر العصور، كان هاجس "الزوال" هو المحرك الخفي لسلوك الحكام. يحضرنا هنا ما ذكره الفلاسفة حول "هيبة الكرسي" التي تُعمي صاحبها عن رؤية الحقيقة إلا حين يبتعد عنها. السلطة، كالحقيقة، إذا لم تكن مسيجة بالمساءلة والمؤسسات، تتحول إلى وهم يظن صاحبه أنه امتلك الزمان والمكان. والمفارقة التاريخية الكبرى هي أن الدروس التي تقدمها الأيام لا تُقرأ عادةً في ضوء النهار، بل تُكتشف في عتمة النهايات. وكما تروي الأساطير عن ملوك قضوا حياتهم في تحصين قلاعهم ونسوا تحصين قلوب رعيتهم، يجد القادمون الجدد أنفسهم أمام المعضلة ذاتها: هل يحكمون بالخوف أم بالثقة؟
إن الخراب ليس قدراً حتمياً، بل هو نتيجة طبيعية لغياب "ذاكرة جماعية" واعية تربط الحلقات المفقودة بين الماضي والحاضر والمستقبل. نحن بحاجة إلى فك الارتباط بين "السلطة" كأداة للهيمنة، وبين "الدولة" كخيمة للجميع. فالوجوه قد تتغير، والأسماء قد تتبدل، لكن الجوهر يظل ثابتاً ما لم تتغير "البيئة" التي تنتج هذه العقلية. إن الدرس الأبلغ الذي يجب أن يعيه كل من يتصدى للشأن العام هو أن السلطة أمانة متغيرة، وأن الركض خلف السراب لا يمنح الارتواء؛ فالحكمة الحقيقية هي في بناء أثر يبقى، لا في تشييد حصون ستذروها الرياح يوماً ما، طال الزمان أم قصر.
ارسال التعليق