سلسلة خواطر استراتيجية مهمة

سلسلة خواطر استراتيجية مهمة
سعيد الجياشي
خاطرة رقم (3/2026)
نستمر في التركيز على منهجية البناء المؤسسي للدولة، وهو المسار الضامن لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والأمنية، وترسيخ مبدأ المواطنة والوطن في ظل دولة دستورية حقيقية، ضامنة ومسؤولة.
 
وبعد الخاطرتين رقم (1) ورقم (2)، اللتين تناولتا أهمية بناء المنهاج الوزاري للحكومة وفق معادلة التحديات وملاءمة إمكانات التنفيذ واستمرارية البناء، وأهمية استكمال البناء للهيكل السياسي الدستوري وتحديد المركز القانوني لكل مؤسسة ولكل مسؤول في الدولة، نتناول اليوم أهدافًا استراتيجية مهمة تتعلق بالأمن والمجتمع ومصالح الأمن القومي العراقي العليا (المصالح الوطنية العليا للعراق)، وكما يأتي:
 
أولاً: الجانب الأمني
 
عاش العراق ظروفًا استثنائية بعد عام 2003، تمثلت بوجود قوات الاحتلال والقوات متعددة الجنسيات، التي رافق وجودها بناء المؤسسات الأمنية العراقية في بيئة اشتباك مستمر مع التنظيمات الإرهابية وتحدياتها، بدءًا من تنظيم القاعدة وصولًا إلى داعش بمختلف مسمياته، وما ارتبط بذلك من شبكات التمويل والإمداد والتجنيد.
 
وخلال تلك المرحلة تشكلت أنماط عمل داخل الأجهزة الأمنية فرضتها طبيعة التحديات والظروف الاستثنائية، ثم بدأت عملية تشريع القوانين المنظمة لعمل الوزارات والأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية، كما تشكلت هيئات وتشكيلات مؤقتة استنادًا إلى صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة وفق المادة (78) من الدستور.
 
واليوم، وبعد انحسار أغلب التهديدات، آن الأوان للانتقال الكامل إلى مرحلة البناء المؤسسي، وإنهاء التشكيلات المؤقتة، والانخراط في البناء المؤسسي العمودي المستدام، وتأهيل الكوادر بالمهارات العلمية والتقنية النوعية، وتعزيز العلاقة مع المجتمع، والركون إلى المادة (9) من الدستور في بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، واعتماد منهجيات العمل الاستراتيجي الحديثة في منظومة الأمن والدفاع العراقية.
 
ثانيًا: المجتمع
 
عاش المجتمع العراقي ظروفًا قاسية وتعرض إلى ضربات عنيفة بسبب الإرهاب والطائفية، إلا أنه، وبرغم كل الصعوبات والتضحيات، قدم نموذجًا متميزًا من التماسك المجتمعي واستعادة المبادرة في مسار الحياة والاستقرار.
 
حتى ملف النازحين، بكل ما حمله من تعقيدات إنسانية واجتماعية، دخل في مسار التأهيل والاندماج والعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية في مناطقهم.
 
وقد حظيت هذه الجهود العراقية النوعية بإشادة دولية واسعة، وأشادت بها الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية، حيث اعتُبر النموذج العراقي من أنجح النماذج العالمية في استعادة الحياة بعد الأزمات وفق متطلبات الدولة الحديثة والدستورية.
 
وانطلاقًا من أهمية المجتمع بوصفه نواة الدولة وميدان نجاحها الحقيقي، برزت تجربة عراقية مؤسسية رائدة استفادت من تجارب العالم المختلفة، وخرجت بنموذج وطني نوعي يمكن أن يشكل نموذجًا إقليميًا ودوليًا، يتمثل في دار السلام للنصح والإصلاح، التي أخذت على عاتقها مأسسة العمل داخل مؤسسات الدولة وإنهاء اللجان والتشكيلات المؤقتة، بوصفها مسارًا للبناء المؤسسي الدائم للدولة.
 
ثالثًا: الاقتصاد والأمن
 
عاش العراق لعقود طويلة في ظل اقتصاد ذي طابع اشتراكي، وما زالت نسبة كبيرة من التشريعات الاقتصادية القائمة تستند إلى تلك المرحلة، الأمر الذي يستدعي مراجعة تشريعية شاملة تدعم بناء اقتصاد متنوع، وتمكين قطاع خاص قائد وفاعل وقادر على الإسهام في التنمية الوطنية.
 
إن العلاقة بين الاقتصاد والأمن علاقة مترابطة ومتبادلة التأثير؛ فبيئة الأمن والاستقرار تشكل أساسًا لازدهار الاقتصاد، كما أن الاقتصاد القوي والمستدام يعزز الاستقرار الأمني ويحد من التحديات والمخاطر.
 
كما أصبح الأمن في العصر الحديث أحد مكونات الصناعة الاقتصادية من خلال الشراكات الاقتصادية والاستثمارية الدولية، بحيث تتحول مصالح الدول الاقتصادية المشتركة إلى عامل داعم للاستقرار والأمن الوطني.
 
وقد ظهرت في هذا السياق نماذج استراتيجية حديثة تُعرف بـ"الاستراتيجيات الهجينة"، التي اعتمدتها دول مجموعة السبع (G7) في إدارة مساراتها الاقتصادية والأمنية والسياسية، من خلال التكامل بين أدوات القوة الصلبة والناعمة لتحقيق المصالح الوطنية.
 
رابعًا: الشعار الوطني للبناء المؤسسي
 
من المهم اعتماد شعار وطني جامع يدخل ضمن مناهج الدولة وبرامج الحكومة وأعمال المؤسسات كافة، ويعبر عن مرحلة الانتقال من الحلول المؤقتة إلى المؤسسات المستدامة:
 
"نغادر المؤقت... ونتجه إلى البناء المؤسسي الدائم في جميع مفاصل الدولة ووظائفها."
 
الخلاصة
 
إن الفرصة متاحة اليوم بوضوح أمام الحكومة الحالية لتأخذ زمام المبادرة في هذا المسار، خصوصًا أن رئيس الوزراء ينتمي إلى جيل جديد يمتلك خبرة في عالم الإدارة والاقتصاد والأعمال، ويدرك أهمية البناء المؤسسي في تحقيق التنمية والاستقرار.
 
ومن خلال هذا النهج، سيجد العراق دعمًا وتعاونًا من المجتمعين الدولي والإقليمي، كما سيحظى بتفاعل إيجابي من الداخل الوطني، لأن البناء المؤسسي يمثل المصلحة المشتركة للجميع.
 
علينا أن نبدأ الآن، لأن كلفة التأخير تتزايد مع كل يوم يمضي.
 
ونستمر في تناول أهداف استراتيجية أخرى في الخواطر القادمة.

ارسال التعليق