عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد بعقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة. 

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

 لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة. 

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها. 

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن “نظرية المعرفة في الإسلام” حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: “أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات”. علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه. 

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو “استئناف ما كان في الماضي كما هو”. أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره. 

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم. 

* كاتب عراقي

ارسال التعليق