في هذا السياق، انكمش تأثير القوى الوطنية النزيهة، رغم امتلاكها القدرة الفكرية والأخلاقية على تجاوز الانتماءات الضيقة والهويات الفرعية، ورغم محاولاتها الظهور بمظهر سياسي جامع، بل وحتى امتلاكها لأدوات التلاقي والتواصل. إلا أن عجزها عن اختراق الجدران الصلبة التي شيدتها منظومة المحاصصة الطائفية والمصالح العشائرية، والمدعومة بشبكات المال الفاسد، جعلها عاجزة عن فرض حضورها الفاعل. لقد تحوّلت هذه البُنى إلى حصون منيعة، تدار بمنطق الغنيمة، وتمنع نشوء فضاء سياسي يتجاوز الولاءات الضيقة نحو رؤية جامعة وعادلة.
لم يعد التغيير الحقيقي في العراق مجرد تحد صعب، بل بات مهمة معقدة تتطلب نفسا طويلا وارادة لا تلين. انه مسار طويل يتطلب صبرا واستراتيجية، ويقوم على رؤية تتجاوز الحسابات الانتخابية والمكاسب الفئوية المؤقتة. هذا التغيير لن ينبثق من مبادرات مجتزأة، بل من مشروع وطني مستقل يعيد الاعتبار للوعي الجمعي كمحرك للتحول، لا كأداة للتبعية. يجب ان يعالج جذور الازمة، من تفكك الهوية الوطنية الى هيمنة المحاصصة التي عطلت مؤسسات الدولة، ويؤسس لعدالة سياسية ومعرفية تستعيد السيادة الفكرية.
اصلاح التعليم، وتمكين الشباب، وتحرير الفضاء العام من القيود الطغموية، ليست شعارات، بل ضرورات لبناء مجتمع حر ومسؤول. كما ان اعادة تعريف السلطة بوصفها مسؤولية اخلاقية تجاه الناس، لا امتيازا يحتكر، هو شرط اساسي لاستعادة الثقة. المطلوب نهضة ضمير تتجاوز الانقسام، وتعيد الانسان الى مركز السياسة والمعرفة، وتبني شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع على اساس الاستقلال والعدالة والكرامة. هذا هو التغيير الممكن، حين يكون الهدف بناء وطن لا كسب موقع.
ارسال التعليق