خدمة العلم بين الذاكرة والاقتصاد

خدمة العلم بين الذاكرة والاقتصاد

عبد الزهرة محمد الهنداوي

التجنيد الإجباري، أو ما يُعرف بـ”خدمة العلم”، لا يمكن النظر إليه بوصفه خياراً أمنياً فحسب، بل هو توجه ذو جنبة اقتصادية، خطورتها عالية، فكلفته تفوق كلفة أي مشروع استثماري مهما كان حجمه، وفي ظل توجه مجلس النواب لتشريعه، يصبح السؤال الأهم: هل يمتلك الاقتصاد العراقي رفاهية هذا التوجه الآن؟.

 

الذاكرة العراقية لا تزال مثقلة بتجارب قاسية عاشتها أجيال سابقة مع الخدمة الإلزامية، ومازالت الصور القاتمة شاخصة في ذاكرة مواليد الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، عن الخدمة الالزامية وخدمة الاحتياط، حيث قضوا حقبا طويلة من اعمارهم وهم يرزحون تحت وطأتها، غير الذين قضوا في الحروب العبثية التي خاضها النظام، داخليا وخارجيا، ولكن بعيداً عن الذاكرة والبعد العاطفي، فإن المقاربة الاقتصادية تكشف صورة أكثر تعقيداً، فالتجنيد الإجباري يعني، ببساطة، سحب مئات الآلاف من الشباب من سوق العمل أو التعليم، وإدخالهم في منظومة إنتاجيتها تكاد تكون معدومة، مقابل كلفة مالية عالية تتحملها الدولة.

قد يُقال إن التجنيد سيسهم في تقليل البطالة، ويصنع الرجال!، لكن هذا الطرح ينطوي على قدر من التبسيط، لأنه لا يعالج البطالة بقدر ما يُخفيها مؤقتاً، فالمجند لا يُنتج قيمة اقتصادية حقيقية تضاهي ما يمكن أن يقدمه في سوق مدني نشط، بل يتحول إلى مستهلك للموازنة عبر الرواتب والتجهيز والتدريب، وعند انتهاء خدمته، يعود إلى نقطة البداية: سوق عمل محدود الفرص.

أما الكلفة المباشرة، فهي ليست تفصيلاً ثانوياً، فتمويل رواتب وتجهيزات وتدريب أعداد كبيرة سنوياً يعني استنزاف ترليونات الدنانير، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من اختلالات هيكلية واعتماد شبه كلي على النفط، وهذا النوع من الإنفاق، إذا لم يُقابل بعائد إنتاجي واضح، سيأتي على حساب قطاعات أكثر إلحاحاً، كالصحة والتعليم والبنى التحتية.

الأثر الأخطر ربما يكمن في الإنتاجية، إذ إن تعطيل شريحة واسعة من الشباب في عمر العمل، حتى وإن كان مؤقتاً، يعني إبطاء عجلة الاقتصاد، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى مهارات شابة ومتجددة، كما أن بيئة الاستثمار لن تكون بمعزل عن هذا التأثير، فالمستثمر يبحث عن استقرار في سوق العمل، لا عن نظام يسحب العمالة بشكل دوري ويخلق حالة من عدم اليقين.

الرهان على تحويل التجنيد إلى أداة تنموية، يبدو انه رهان خاسر، الا اذا كان مشروطاً بنموذج مختلف تماماً عمّا يُطرح عادة، نموذج يدمج التدريب العسكري بالتأهيل المهني الحقيقي، ويرتبط باحتياجات السوق، ويُدار بكفاءة عالية تمنع تحوله إلى جهاز بيروقراطي مُكلف، دون ذلك، سيكون التجنيد الإجباري أقرب إلى إعادة إنتاج عبء مالي قديم بصيغة جديدة.

الخلاصة: أن التجنيد الإجباري ليس حلاً اقتصادياً، بل خيار مكلف قد يُفاقم الاختلالات القائمة إذا لم يُصمم بعناية استثنائية، وفي اقتصاد هش نسبياً، قد يكون السؤال الأجدر: كيف نُشغّل الشباب في الاقتصاد، لا كيف نُخرجهم منه مؤقتاً، وفي المقابل، نحتاج جيشا بعدد قليل، ولكن بعدّة تكنولوجية عالية، فالحروب لم تعد بالعدد، انما بالعدّة.

ارسال التعليق